التمزق اليماني بين فلسفة التغيير ومنهجية التفسير

د. جمال الهاشمي

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والإسترتيجية

من ينظر الى اليمن في واقعها يجد عظمة التصور القرآني الكريم؛ في آية واحدة وصفت التاريخ والواقع، وفي حديث آخر جعل من القيم أساسا لتغيير الواقع.

“قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْ‍‍نَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، ولَقَدۡ صَدَّقَ عَلَیۡهِمۡ إِبۡلِیسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِیقࣰا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ”

بهذا النص تتكامل صيرورة السياق مع سيرورة المساق لتفسير المفهوم (التمزق) من مدخل النفس والبيئة والوصف:

أولها إشارة الاقتران: والاقتران هو اقتراب زمني مكاني وتاريخي وجيني يحدد ملامح الطبيعة البيئة في النفس والزمنية في الحدث والجينية في المجتمع،، وعلى هذه المحطات فاليمن هي الجزيرة العربية، لأن نسبة الجزيرة للعربية يعني ارتباطها بأصول النشأة الأولى نشأة اللسان والإنسان.

و قد أنزل القرآن في مكة وسط الجزيرة وبه تشكلت قاعدتين حضاريتين:

  • قاعدة حضارية إنسانية تجديدية ولدت في مكة ولم تكتمل، والتجديد يعني أعادة الماضي الميتافيزيقي في مذهب الحنفية والقيمة الإبراهيمية (ع)..
  • –        وقاعدة حضارية مكانية تأسست بإنسانية الحضارة  المكية لكنها في المدينة بعرقية يمانية؛ عرقية الأصل وهي من ثمار الوصف والنسق القرآني.

وفي هذه إشارة إلى أن الإنسان والمكان والزمان يتداخلان.. وإنسانية اليمانية يعني إنسانية الجزيرة، ودعونا في رؤيتنا المنهجية أن نتعمق أكثر بهذا العمق المنهحي من منظور الأبعاد الثلاثية:

تمزقت سبأ بصفتها وتشكلت بصفتها القيم النفسية والمكانية وهذه الصور هي نفسها التي نراها من منظور الممزق كأحد حقول المعرفة الاجتماعية للتغيرات الإنسانية والتحولات المكانية من خلال اقترابات النص وليس من مداخل الفلسفة التاريخية.

ويمكن استدراك التاريخ لمقاربة الرؤية وليس كأصل فيها، وهذا نسق آخر من أنساق المرافعة:

تشعبت اليمانية شعوبا ممزقة وهنا صيرورة، وتمزقت تمزقات فردية وهذه حالة.. وبهما اقترب الزمان، وامتلأ المكان بسبأ وهو النسب المستدرك مما لم يدرك، بينما قحطان الذي أصبح لفظة ثقافية ليس له سياق منهجي تقام عليه فلسفة النفس والمكان.

وعلى حد علمي ليس سوى مفهوم سياسي تاريخي من المفاهيم الوافدة، لا نقول بمنهجيته ولا تستشهد بها.. بل نعدها من مظاهر المنهجية التي أوجدت أزمة المنهج، كظاهرة التمذهب الهاشمية التاريخية، وهي من الظواهر المنهجية التي أوجدت الأزمة الحضارية داخل الحضارة الإسلامية.

 ومن هنا فقط كانت سبأ من الحالات العربية المتبقية -حتى لا نخرج عن السياق الوصفي لمفهوم التمزق- وسبأ الأكبر ليس سبأ الأصغر كما أن أنسابهما مختلفة وفروعهما متباينة ونظرا لذلك سكنت خزيمة في العراق، والأزد في سيناء والأردن، وغسان في الشام، وعمرو بن عامر في يثرب، والأمازيق في المغرب (المغرب- الجزائر- تونس- ليبيا).

وهذه السمات النفسية رسمت الصفات المكانية، فالعشائرية والقبلية هي من أهم الصفات التي شكلت الحالة المكانية، لهذا فإن مناهج المعالجة التي يجب أن تستخدم داخل هذه المتغيرات الجغرافية يجب أن يعاد مقاربتها مقاربة منهجية تتناسب مع متطلبات التنمية والأمن والسلام.

لأن الحالة النفسية غير موضوعية، وتحتاج الى معالجة مادية لها ثلاث اقتراحات ليس هنا موضوعها، وهناك معالجة تنظيمية ولها معايير منهجية أخرى، إذا طلبت الحلول المعيارية لتأسيس الرؤية الحضارية من مدخل المنهج، والقاعدة الحضارية من مدخل الواقع.

من هنا تجد أن منطقة تهامة والحجاز استثنيت من هذه الصفة لأن أنساقها الوصفية والنصية استعادت النسق الأصل للمفهوم الحضاري، والمدينة أعمق من مكة من حيث القاعدة، ومكة أعرق من حيث التاريخ. ومن هنا وجب التفريق بين القاعدة والحضارة، والتاريخ والقداسة.

قد أكون مثاليا إن قلت هذا دون أن أرسم ملامحه، ولربما أكون مؤمنا أن استطعت رسم تلك الملامح أو تغييرها أو القيام بها ، وفهم الواقع يقتضي الوقوف على النفس والحال والنص و المآل «ففهمناها سليمان” وهو منطق جديد ارتبط بواقع النفس والحال والمكان، فهوم ميلاد جديد لواقع يحتاج إلى القوة وسياسة مختلفة نظرا لاكتمال القاعدة الحضارية المادية، التي بدأت تتطغى على الحضارة الصناعية الداوودية.

ولهذا نشأت معتقدات الألفية والتاريخانية المعاصرة كحضارة مادية تتأرخ أي تستشهد بالتاريخ كقيمة تاريخية مقدسة تعود الى مجد الحضارة السليمانية، ورغم نشأتها بهذا المنطق التاريخي إلا أنها انفصلت كلية عن نسقها الوظيفي الوصفي.

وهنا يجب أن نفرق منهجيا بين النسق الوظيفي، والنسق الملوكي لأن نسق الوظيفة يكون في الملك، وليس أن يكون استقاء الوظيفة للملك. ومن ثم فإني أعلن أن المنهج التاريخي ليس له أية أصول منهجية على الأطلاق مع اعترافنا به كقيمة إخبارية أو بيانية يحتاج إلى منهج يرفع من مستواه الى المعرفة أو العقلانية، كما أن التاريخانية ليست قيمة حضارية، وإنما هي فلسفة جدلية تتناقض بنيويا ومعرفيا ومنهجيا وواقعيا. وليس نجاحها كظاهرة واقعية لظاهرة فكرية دليلا على صحتها، وهنا نؤكد أن هناك جدل معرفي بين حقيقة المنهج وظواهره.

ولا أشك أن القرآن فوق سياق التاريخ والحدث وإن جاء عبره ومن خلاله مكتوبا لا موضوعا، والكتابة أداة من أدوات التدوين والموضوعية حالة اقترابية من مداخلها الموضوعة، ومن ثم فإن اقرأ في القرآن ليس بمعنى اكتب، وأن الأصل العقلي أن نبدأ بالكتابة لنقرأ لا أن نقرأ لنكتب، لأن في الجملتين يختلف المصدر، وفي هذا تفنيدي لمصطلحات التاريخية، ومن معاني القرآن الجمع والضم وفهم المضمر، فهو يجمع المتغيرات ويضمها في سياق الفهم والواقع والمآل.

 وحقيقة الفهم والأفهام والتفاهم والإفهام يقتضي منا الاقتران بالنفس الاجتماعية والاندماج في الواقع.. وليست الثروة ولا القوة ولا السياسة قادرة على وضع الحلول إن لم تستق من مساقيها أو تنهل من مشاربها. أما السنة فهي من أهم مفاهيم الواقع، وتتنوع بين الإسناد النص والأمر والوصف، وتنوعها يقتضي تنوع المناهج وترتيبها وفق منهجية علمية، مقاربة ومقارنة، منفصلة ومتواصلة.

بهذا السياق المنهجي يدرك الواقع من النص، ويفهم النص في الواقع، وهذا كله من مستدعيات المنهجية العلمية. فليس في المنهج ترتيب وتوليف وهيكلة وتقسيم وتبويب، فحسب، والا لكنا أو أصبحنا كأمم الكتب السماوية السابقة نحول النصوص إلى وثنيات فلسفية، ونحول الأنبياء إلى آلهة مصلوبة أو ألوهيات عرقية وتسيطر النفس على النص، ويفارق المنهج الواقع.

وقد ذهب البعض الى توقيف النصوص القرآنية والنبوية على التأريخية وجعلوه حدث مدون من الماضي، وهذا المذهب تجدد في القرن التاسع عشر كمذهب مادي معادي للقداسة الميتافيزيقية، وهو من المذاهب التاريخية المعاصرة، الذي يعتمد ثنائية التناقض، وجذور نشأته فلسفيا، أما وجوده في الإسلام فقد تجدد مع بداية النبوة، وهذا المذهب نحا منحا سياسيا وليس منهجيا وهو من المعالم الذي تشكلت به الجامعات واصطنعت به الثقافات السياسية والمجتمعية المعاصرة.

وهناك مذهب آخر من مذاهب التاريخية ويسمى التاريخانية وهو مصطلح فلسفي جدلي غربي يعكس لغة وخبرة وقيم الثقافة الغربية، وهو مفهوم فلسفي مقدس ذو قيمة دهرية وتتعدد سياقاته لتضمين المفهوم تضمينا منهجيا.

وهذه المصطلحات التي قدمت كحلول منهجية لواقعنا العربية واستعمرت العقول عقودا وأنتجت هذه الواقع لا يتناسب مع منطق العقلانية، ولا البديهيات ومع كليات الفكر والمنهجية العلمية، وإن عبر قنوات الحوار ومناهج الأسلمة الى عالمنا العربي الإسلامي.

فالأصول المنهجية لها خصوصيتها العلمية وبيئتها وعقلانيتها ولغتها وتاريخها ومعايير أخرى يجب أن تحدثها الجامعات من أجل تغيير واقع دولها ومجتمعاتها ولصناعة السلام والتنمية، بغير هذه التغيرات لن يتغير الواقع بخطابات واجتماعات ولا بهذا الكم الهائل من الحروب والتحالفات والعلاقات الدولية، لأن كل هذه المظاهر تحتاج إلى بنية والبناء يحتاج أساس والأساس يحتاج الى أس ومؤسس، وهذه وظيفة تنشأ من داخلها.

ومن هنا فإني فلسفة التغيير تعتبر ناقصة ما لم تكتمل بمنهجها ومن هنا أدعو جميع العلماء والباحثين والكتاب والمثقفين إلى التواجد بما فيها أنصار التاريخية لنخرج من مأزق الواقع برؤية جماعية نخبوية تعيد للمجتمعات والدول قوتها ومكانتها وأمنها واستقرارها وتنميتها.

شاركنا رأيك!