التعليم الجيد والتنمية المستدامة

 د. سهام علي طه / أستاذ مساعد كلية الامام الهادي جمهورية السودان.

    يعد التعليم من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الدول في صنع تقدمها وحضارتها، وتحقيق غاياتها وطموحاتها، وحل ما يعترضها من مشكلات  سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو أمنية ، وترسيخ مكانتها، والمحافظة عليها والدفع بها إلى الأمام، خاصة في هذا العصر الذي يتميز بتنافس محموم بين مختلف الدول المتقدمة والساعية بإرادة وجدية لتحقيق تقدمها، وأخذ مكانتها بجدارة في هذا العصر العلمي المتميز بسرعة التراكمات العلمية في مختلف المجالات ،من خلال نظم تعليمية نالت الاهتمام اللازم، فأعطت ثمارا أكثر من المتوقع ،ومع ذلك تعمل مختلف البلدان المتقدمة والساعية بجدية نحو اللحاق بركب التقدم على مراجعة نظمها التعليمية، وبصورة مستمرة ودورية وتعمل على تحسينها وتطويرها. حتى وصلت إلى تبني مفاهيم جيده، واعتمدت على مقاييس و مواصفات لمخرجاتها التعليمية لتضمن فاعليتها في اكتساب المعارف والمهارات بل والكفايات التي تمكنها من تحقيق ذواتها والمساهمة الفاعلة في تقدم بلدانها، لا تتوقف بل تزداد تسارعا وتحقيق تنميها الفاعلة والمستدامة، وضمان استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني ،لذا صار التعليم السلاح الأقوى في هذا العصر لأنه يستهدف الإنسان، كي يجعله متعلماً مبدعاً قادرا على التأقلم مع التغيرات المتسارعة في كافة مناحي الحياة.

     التعليم من المفاهيم الأساسية في مجال علم النفس وإنه ليس من السهل وضع تعريف محدد لمفهوم التعلم وذلك بسبب أننا لا نستطيع أن نلاحظ عملية التعلم ذاتها بشكل

مباشر ولا يمكن اعتبارها وحدة منفصلة أو دراستها بشكل منعزل.

مفهوم التعليم :

    التعليم :Education عملية منظمة يتم من خلالها إكساب المتعلم الأسس البنائية العامة للمعرفة بطريقة مقصودة ومنظمة ومحددة الأهداف، وبظهور المدنية و تطورها، أنشئت المدارس أو ما يعرف بالتعليم النظامي الذي يطلق عليه في مجتمعاتنا العربية لفظ “التربية و التعليم” والتي تتفق تماما مع أصول التركيب اللغوي للترجمة الإنجليزية Education بمعنى الإنماء والرعاية، والتعليم هو العملية الرسمية التي تنقل إلى المجتمع عمداً المعرفة المتراكمة والمهارات

 Skills  والعادات Customs والقيم Values من جيل إلى آخر، والتعليم هو حصيلة ما يكتسبه الفرد من معارف ومعلومات من جهة ومهارات وقدرات من جهة أخرى.

    ولقد ازداد الاهتمام حديثاً بالتعليم وخاصة مع بداية التطور الاقتصادي والاجتماعي ودخول التكنولوجيا المتقدّمة إلى مختلف القطاعات الاقتصاديّة، حيث تغيّر مفهوم التعليم ومحتواه وتغيّرت أهدافة، وظهرت الحاجة إلى قوة عمل تتمتع بمستويات عالية من التعليم والمهارات  لتقوم بدورها في العملية الإنتاجيّة بكفاءة وفاعليّة.

التعليم من اجل التنمية المستدامة:

      شهدت السنوات الماضية تزايد الاهتمام الدولي في تضمين مفهوم الاستدامة في التعليم، بغرض بناء جيل المستقبل، القادر على التعامل مع التنمية المستدامة، فنحن نعيش في زمن سريع التغير ويتسم بالمنافسة الشديدة، وهذا يبرز أهمية التعليم وإعادة تشكيل مناهجه، حتى تنسجم مع الاحتياجات المجتمعية، وتتوافق مع المتغيرات التقنية والإعلامية.
     ولا شك في أن أساس الاهتمام بالتنمية المستدامة أنها الهدف الأساسي للمرحلة المقبلة، وهذا الهدف لا بد أن يبدأ بالاهتمام بالتعليم بمختلف مراحله وأركانه، خاصة القائمين عليه، من أساتذة وعاملين وأدوات التعلم وغيرها بهدف رفع قيمة المواطن.

      تعد التنمية  بكافة أشكالها من أهم الغايات التي تسعى الدول إلى تحقيقها ،وترسم لها الخطط بكافة مستوياتها (القصيرة والمتوسطة والطويلة)، وتحشد لها الإمكانات المادية والبشرية لتحقيقها وتنال الاهتمام اللازم من الباحثين والخبراء ،لتحديد مفاهيمها ومتطلباتها  وفق رؤى استشرافية لملامح المستقبل، فالتنمية عملية متعددة الأبعاد ولا يمكن اختزالها في مفهوم واحد محدد فهي تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية والتربوية ،وتستهدف الإنسان وتنطلق به ،فهو وسيلتها وغايتها في الوقت ذاته ،لذلك فهي تعني الجميع ، وأصبحت أسلوباً وهدفاً لتحقيق التقدم في جميع المجالات ،فالإنسان ونوعيته هي من يحدث الفارق في تحقيق غايات التنمية، وبذلك تفاوتت البلدان في تحقيق ما تسعى إليه من برامج وطموحات وغايات تنموية بحسب نوعية البشر بها، فالدول التي تمتلك العنصر البشري المؤهل والقادر على أداء دوره بكفاءة نجحت في تحقيق ما تسعى إليه من تنمية ضمان حصول جميع الخاضعين للتعليم على المعرفة والمهارات اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة ، من خلال التعليم من أجل التنمية المستدامة وأنماط الحياة المستدامة وحقوق الإنسان والمساواة بين النوع الاجتماعي وتعزيز ثقافة السلام والمواطنة العالمية وتقدير التنوع الثقافي ومساهمة الثقافة في التنمية المستدامة.

       يمكن اكتساب المعارف والمهارات والقيم والمواقف التي يطلبها المواطنون ليعيشوا حياة منتجة، واتخاذ قرارات مستنيرة وتولي أدوارًا نشطة محليًا وعالميًا في مواجهة التحديات العالمية وحلها من خلال التعليم من أجل التنمية المستدامة والتعليم من أجل تحقيق المواطنة العالمية، والذي يشمل تعليم السلام وحقوق الإنسان، وكذلك التعليم المشترك بين الثقافات والتعليم من أجل التفاهم الدولي. وذلك من خلال  بيئات التعلم الفعال بناء وتطوير المرافق التعليمية للطفل السوي والمعاق والمراعاة لاعتبارات النوع الاجتماعي، وتوفير بيئة تعليمية آمنة وغير عنيفة وشاملة وفعالة للجميع وتكن من خلال الحاجة إلى بنية تحتية مادية كافية وبيئات آمنة وشاملة ترعى التعلم للجميع، بغض النظر عن حالة الخلفية أو الإعاقة.

    المعلمون هم المفتاح لتحقيق جميع أهداف للتنمية المستدامة. ويتطلب الأمر اهتماما بتوزيع المعلمين المدربين تدريبا مهنيا، ولا سيما في المناطق المحرومة. وبما أن المعلمين هم شرط أساسي لضمان جودة التعليم، ينبغي تمكين المعلمين والمربين، وتعيينهم على نحو كافٍ، ودفع أجورهم، وتحفيزهم، وتأهيلهم مهنيا، ودعمهم في إطار أنظمة جيدة الموارد وفعالة ومحكومة بشكل فعال و تنمية الموارد البشرية لأعضاء الهيئة التدريسية والمشرفين الاكاديميين، وتطوير وتحديث المناهج وتبني أساليب التقويم المتطورة، وتحديث الهياكل التنظيمية لإحداث التجديد التعليمي المطلوب وايضاً التعليم والتدريب المستمر لكافة الأفراد القائمين على العملية التعليمية .
تطوير نظام للمعلومات لجمع الحقائق من أجل اتخاذ قرارات سليمة بشأن أية مشكلة   
و تعويد المؤسسة التعليمية بصورة فاعلة على ممارسة التقويم الذاتي للأداء .و المشاركة الحقيقية لجميع المعنيين بالمؤسسة في صياغة الخطط والأهداف اللازمة لجودة عمل المؤسسة، من خلال تحديد أدوار الجميع، وتوحيد الجهود ورفع الروح المعنوية في بيئة العمل في كافة المراحل والمستويات المختلفة.

شاركنا رأيك!