التعليم الالكتروني في الأردن: الواقع والمأمول

د . حنان احمد الخريسات

استاذ العلوم الاجتماعية في جامعة الطفيلة

    يعد التعليم الالكتروني في الأردن واحدا من أجود أنظمة التعليم في بلدان العالم ، ويلعب دورا محوريا في حياة وثقافة المجتمع الأردني ، وبسبب امتداد جائحة كورونا وانتشارها على مستوى العالم راودت المجتمع الأردني الكثير من التساؤلات والتخوف حيث تأثر الحياة على جميع المستويات اقتصادية ، اجتماعية …ومنها الجانب التعليمي وجاء هذا التخوف في المجال التعليمي بعد إعلان قرار الدفاع رقم (7) لسنة  2020 بتعطيل المدارس والجامعات خوفا على صحة الطلبة والمصلحة العامة .

مثلت الإشكالية في التعليم التساؤلات التالية

هل لدينا ثقافة إدارة الأزمة ؟

هل لدينا كمجتمع ومسؤولين ثقافة التعامل والاستجابة لمتطلبات وتحديات هذه الأزمة ؟

وهل نحن قادرون كبلد صغير بحجمه وإمكانياته أن يتجاوز هذه الأزمة ؟

ما مصير الأعداد الهائلة من الطلبة في المدارس والجامعات بعد قرار تعطيل المؤسسات التعليمية ومرور فصل دراسي من العام 2020 ؟

    إن مفهوم إدارة الأزمة يعني التعامل مع الحدث وتجنب المخاطر قبل حدوثها والحد من أثارها إن حدثت بأقل الخسائر والجانب التعليمي مهم جدا ، وهناك مليون ونصف طالب في التعليم المدرسي ، ومليون طالب في الجامعات والكليات ، ولان هذا العدد شكل تحديا مقلقا بسبب توقف العملية التعليمية التعلمية اتخذت وزارة التربية والتعليم في الأردن وكافة مؤسسات الدولة الجاهزية بوضع خطة طوارئ متكاملة لتحول التعلم عن بعد في حال اتخاذ قرار على المستوى الوطني بتعطيل المؤسسات التعليمية وخاصة المدارس والجامعات في إطار الحرص على صحة الطلبة وسلامتهم .  فصدر قانون الدفاع رقم (7)لسنة 2020 صادر بمقتضى أحكام قانون الدفاع رقم (13) لسنة 1992 بشان التعليم العام والتعليم العالي والذي جاء في ظروف استثنائية لمعالجة التحول من التعليم التقليدي الى التعلم عن بعد وفق منظومة التعلم الالكتروني

    تأتي أهمية القرار في انه حول التحديات الى فرص في ظروف استثنائية للعمل عن بعد من خلال المنظومة الالكترونية الموجودة من أوائل التسعينات والتي اتسمت بالإصلاحات في قطاع التعليم وتميزت في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني من سنة 2001 بهدف تحوي الأردن الى مركز تكنولوجي إقليمي وكان الإصلاح الفعلي قد بدأ يتسع من سنة 2003 لتحسين بيئة التعلم في المدارس للدخول الى بوابة اقتصاد المعرفة من خلال طرق التدريس وتغيير بيئة التعلم،  كما ازداد الدعم لمشروع التعليم الالكتروني بعد عام 2007 وأصبح نموذجا أشار الى نجاح الأردن في توظيف التكنولوجيا في التعليم وتوفير أجهزة الحاسوب في جميع مدارس المملكة مما جعل هناك استعدادا عاليا لدى المدارس في تحسين نوعية التعلم والتعليم مستقبلا بتفعيل بوابة التعلم الالكتروني في مركز الملكة رانيا العبدالله لتكنولوجيا التعلم في ظل وجود مناهج للمباحث الكترونية .

 اذا استخدام الانترنت في العملية التعليمية ليس وليد اليوم بل تستخدمه المدارس والجامعات منذ فترة تركزت فيها الكثير من المنظومات التعليمية التي تسير وفق قواعد وانظمة .

 مما ذكر آنفا يمتلك الأردن بنية تحتية تخدم العملية التعليمية التعلمية في المدارس والجامعات من مختبرات حاسوب ، وتوفر منظومة التعليم  الالكترونية والتي تمكن جميع مستخدميها من توظيف أدوات التعلم الالكترونية وتتيح للمعلم والطالب وولي الأمر استخدام المناهج المحوسبة ، بالإضافة الى كادر تربوي مدرب على استخدام الحاسوب .

    جائحة كورونا وجهت مؤسسات التعليم ( وزارة التربية والتعليم ، والتعليم العالي ) قسرا لتستمر العملية التعليمية التعلمية مع توفير المرونة والاستثنائية في التعامل مع الطلبة وأولياء الأمور، وتحويل التحديات الى فرص رغم أن البدايات كانت متواضعة بالاستعانة بقنوات التلفزيون الأردني لبث دروس تلقينية للطلبة وتوسعت فيما بعد لتضم قناتين على منصة درسك 1 ، 2 ثم طرح منصة ادراك بمبادرة من مؤسسة الملكة رانيا .

نستطيع القول أن خطوة وزارتي التربية والتعليم ، والتعليم العالي  نجحت في التحول وبسرعة للتماشي مع الظرف الحرج الى التعلم الالكتروني والتعلم عن بعد لكنها لم تخل من العثرات والتحديات ، اذ شكل عدم تفعيل الجانب الالكتروني في عملية التعلم بالشكل الأمثل تحديا واضحا على الواقع حيث لم يمهد بشكل مباشر لاستغلاله في ظروف استثنائية او طارئة بسبب عدم وجود تخطيط مسبق خاص بالظروف الاستثنائية  .

وشكلت المرافق المحوسبة تحديا آخر اذ يعتريها الخلل رغم وجودها كبنية تحتية ، والتعلم عن بعد يتطلب التفاعل بين المعلم وطلبته في المدارس أو الجامعات ولم يتم استثمار هذه المرافق سابق وبشكل اعتيادي لتكون مهيأة للعمل الاستثنائي فيما بعد الا عن القلة من المهتمين .وربما ايضا يعود هذا الى عدم جاهزية بعض المعلمين – ممن خدموا في القطاع التعليمي فترة طويلة- لاستخدام التكنولوجيا وهذا ليس انتقاصا منهم ولكن لان التكنولوجيا فرضت نفسها فاما عليهم مجاراة التطور والعمل به بتمكين انفسهم او البقاء على حالهم وهذا تحدي مهم .

كما شكل الأهل وأولياء الأمور تحديا مهما لضعف التزام الطلبة وأولياء أمورهم متابعة برامج التعلم عن بعد إذ أن من المهم هنا توفير بيئة للتعلم عن بعد من خلال شبكة نت واجهزة حاسوب في المدارس النائية كحق من حقوق الطلبة في التعليم لنقلهم من التعليم التقليدي الى المجال الالكتروني .ونحن نعرف ان بيئة التعلم تشكل تحديا مهما اذا توفرت الاجهزة والانترنت غير موجود او ضعيف وخاصة في المناطق النائية والتي تعمل وزارة التربية والتعليم على حلها حاليا .

    نجحت المؤسسات التعليمية ( وزارة التربية والتعليم ، والتعليم العالي ) في إدارة الجانب التعليمي من خلال الاستجابة لردود فعل الأطراف ذات العلاقة بعملية التعليم،  ومن خلال التقييم الدوري للوقوف على التحديات وحلها لغايات ضبط العملية التعليمية التعلمية ، وتقدير فترة تعطل الطلبة ، وإعطاء الفرصة لأطراف العملية التربوية والجامعات باتخاذ ما يرونه مناسبا للتواصل مع طلبتهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ، واتخاذ قرار( راسب / ناجح ) للطلبة ، وترك الخيار لإرادة الطالب الحرة للإعادة فيما بعد وصولا الى التقييم المستمر باتخاذ قرار التعديلات على اسس الاكمال والنجاح والرسوب للعام 2020 باعتماد التعلم عن بعد ومتابعة ممارسات الطلبة وانضباطه بالدخول الى منظومة التعلم الالكتروني وتكون نتائج الطلبة استنادا الى دخولهم الى المنصات الخاصة لتقديم الامتحانات وحل الواجبات والنشاطات والتفاعل مع المعلمين الذين يعملون من منازلهم .

كما ان هذه المرحلة شكلت تجربة غنية للطلبة والمعلمين والجامعات من حيث التعلم عن بعد والوقوف على التحديات، واستثمار الفرص، وربما انها ستسمح للطالب الجامعي المقدم على سوق العمل التعامل مع الشركات العالمية ، ومكنت الطلبة في فترة مبكرة من التعامل مع التقنيات للتكيف معها للقادم ، كما انها وفرت على طلبة الجامعات في الارياف والمناطق النائية الانتقال الى المدينة او الجامعة وبامكانه التواصل من منزله ، وشجعت منصات التعلم عن بعد الاساتذة باستخدام لغة العصر مع الشباب واستخدام وسائل التواصل ، وشجعت على تدريب الطالب على الانضباط وتحسين ادارة الوقت واجراء البحوث والمشاركة في دورات بمسؤولية لكنها غير مكتملة تخضع للمنظومة القيمية التي تربى عليها طلبتنا في مدارسهم

لكننا سنبقى الان امام  تحدي مهم في اشراك الطلبةالموجودين في اماكن مختلفة من ارجاء الوطن والمحافظة على انتباههم وهذا ليس بالامر اليسير، ولكنه ايضا ليس مستحيلا ، كما اننا امام امر اخر مهم ايضا يتمثل في عملية احتساب العلامات لتعذر المراقبة،  وزيادة عمليات الغش بسبب التواصل من المنازل مما يشكل تحديا مهما بحاجة الى تخطيط وحل باجراءات ضمن منظومة قانونية خاصة .

مما ذكر آنفا نستطيع القول ان مرحلة التعافي تتطلب جهدا منظما واعدادا للقادم  تستند الى الاعتماد على الذات ، واعادة تشكيل القطاع التعليمي فيما يتعلق بالتعلم الالكتروني، وتشكيل مجلس استشاري لاعداد خطة على المدى المتوسط والطويل للتعافي خاصة وان هناك فرقا متخصصة لديها قدرات هائلة في التكنولوجيا ،

كما وتحتاج المرحلة الى تعديل التشريعات الناظمة للتعليم الالكتروني ، و مراعاة ظروف الطلبة في بيئة التعلم الالكتروني ، وضرورة ايجاد آليات واقعية للامتحانات ، وتدريب اطراف العملية التعليمية التعلمية على التعلم الالكتروني ، وادخال طرائق وادوات ونماذج وبرامج جديدة تخدم التعلم الالكتروني وكل ما ذكر يستند الى عملية التخطيط المنظمة .

ونصل الى نتيجة مهمة انه لا غنى عن التعليم النظامي والاتصال المباشر بين المعلم والمتعلم ، ولا غنى عن دور المدرسة والجامعة الواقعي ، وان جائحة كورونا كشفت الواقع التعليمي والعلمي الضعيف في المجال التكنولوجي ليس في الأردن فحسب بل في دول العالم ، وان على كل دولة انشاء نظام تعليم الكتروني بديلا يتاح في الاوقات العادية لمساعدة العملية التعليمية .

شاركنا رأيك!