التطورات الجدلية لنشوء الزنادقة المعاصرين

د. جمال الهاشمي

محور الإشكالية البحثية للزندقة المعاصرة يمكن التوصل الأولي لحقيقتها من خلال تحديد العلاقة بين الدين والأخلاق باتجاهين رئيسيين لا ثالث لهما:

الاتجاه المتصاعد: وهو الذي يتوافق الدين مع الأخلاق توافقا تنمويا فتكون الأخلاق مدخل من مداخل تنمية العمق الديني في الفرد والمجتمع والدولة.

الاتجاه المتناقض: وهو الذي تتناقض فيه الدين مع الأخلاق، وهذا من أهم صور الشك المنهجي الذي أحدث تغيرات نهضوية في المجتمعات الأوربية.

بالعودة إلى نموذج القدوة المحمدية عليه الصلاة والسلام.. سنجد أن البعثة الدينية جاءت تالية للبعثة الأخلاقية المحمدية، فقد وجد النموذج الأخلاقي المحمدي قبل أن النموذج الأخلاقي المعياري في القرآن والسنة بأربعين عام.

وقد كان المجتمع المكي مجتمع الفضائل في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وفي سباق الفضائل، إذا كانت الفضائل هي معيار التنافس والسادة، وقد يسقط نسب أحد الأخوين ويرتفع نسب الأخ الآخر كربيعة الأصغر وربيعة الأكبر بهذا السباق.

في الاتجاه الأول كانت المادة وسيلة من وسائل الجود والإيثار والضيافة.

في الاتجاه الثاني كانت المادة هي الغاية التي تبدد بها الأخلاق والقيم والتعاليم.

لم تكن مكة في جاهليتها بهذه الصور القاتمة التي يتجه نحوها العالم المعاصر لكن التصور الجديد للإنسان الحضاري المتدين قد برز في القرن الأول الهجري، وهو المصطلح المعروف بالزنادقة وواحده زنديق.

هناك من يبتذل القيم والأخلاق، وهناك من يتخذهما سلما، ومن هنا جاءت معادلة المماثلة المنطقية والتي تؤكد وفقا لمدركات علم النفس الاجتماعي والفردي والسياسي أن تفلت القيم الأخلاقية في المجتمع حتى تكاد تجد الأخلاق نادرة أو معدومة أو مندثرة أو في شخصية واحدة منطوية فإن علم دراسة المؤشرات يؤكد على أن الفساد إداريا وسياسيا ونخبويا ومؤسسيا وتعليميا.

قد يتبادر إلى ذهن المثالي المتفائل أن هذه الأحكام تشاؤمية وغير منطقية، لكنه عندما يصطدم بالواقع سيكون من أعظم الرذائل المتصاعدة، لأن تقمص الإنسان الشخصية الملائكية سيحوله حتما إلى صورة شيطانية.

فلقد كان إبليس مثاليا لكنه اصطدم ببشري مخلوق يكاد ينافسه على ضعفه، ولو تنافس معه وبقي على حاله من الاجتهاد لكانت إمكانياته أكبر من حيث القدرة والخلقة، ولكنه خشي من أبينا الضعيف وافتقد الثقة بقوته، وصارت قوته كيدا، بعد أن كانت فعلا.

في العصر الأموي انتشر الزنادقة المتصلبين، وبسببهم انتشر التصلب الثوري القرآني، فانتج هذا التصلب ثورة سياسية متصلبة انتهت بولادة أبو العباس السفاح.

سياق التوالد والتجذير والابتعاث من القواعد المنهجية التي تكتشف ما وراء الظواهر السياسية المعاصرة.

وتاليا لزنادقة التصلب الأول نشأ في صدر الدولة العباسية زنادقة اللوغوس (الكلمة) فاشتهرت الدولة حينها بالمعارف الجدلية وفشلت الإدارة العباسية من السيطرة على الأطراف فسقطت المغرب ومن وراءها الأندلس وسقطت اليمن وخلفها القرن الإفريقي، وانحسرت عن أوروبا الشرقية/ وخرجت العربية من فارس وتحولت إلى قومية إسلامية تحولت إلى جغرافية عبور للغزوات التترية.

أما اليوم فيشهد نمو المثقف الزنديق أو الزنديق المركب، وتتجسد فيه عقد متعددة أهمها ثلاثة عقد:

  • عقد الجهل المركب.
  • عقدة المادة أو القلم المعبد.
  • عقد الأخلاق أو الرذيل المستعبد.

وهذه العقد شكلت حاجزا مرضيا بين النفس والسلوك، وحاجزا نفسيا بين اللفظة والوعي، وحاجزا أخلاقيا بين الذات والآخر، وحاجزا ماديا بين كل ذلك والواقع.

وهذه التشكيلات لا بدأ وأن تنوع الأشكال إلى الزنديق المثقف والزنديق الوديع، والزنديق المتدين والزنديق الثوري، والزنديق المسالم، ويربوا أشكال الزندقة إلى أكثر من سبعين نوعا.

إذا لو كان على صورة واحدة لاكتشف العلة الأخلاقية ووضعت ضمن معامل تجريبية للبحث عن العلاج، وعولج المجتمع من شروره، ولكنه يتمثل كالسحر والشياطين وهذا التمثل يجعل الحياة مليئة بالأزمات والآهات والتوجعات.

وقد يتأبلس أو يتحول فجأة عن صورته الملائكية إلى صورته الشيطانية في صور بدوية وحضارية وقبلية وطائفية، حتى أن مجتمعات الغرب يمتدحون قدراتنا على التلون، وبقدر ما يقدم إلينا الذم على أنه مدح فيتعاظم الشيطان في أنفسنا نفتقد الثقة ويفتقد الأخر الثقة بنا.

ولقد شاهدت دبلوماسيين في مثل هذه المواقف فناقشني الطرف الآخر الذي هو خارج ذواتنا فقال كلمته الاجتماعية المشهورة: دعه يتنفس.

أما أقليات العربي خاصة وهي الرتبة الأخيرة في سلم الأخلاق المجتمعية، فيعيش في جيتيوهات مختلطة مع نفس الحالات التي تتشابه معه سواء كانت من داخل البلد الأوربي أو من خارجه .. ويشكل هذه التواجد السلبي لصور الزندقة قيمة علمية ونظرية وسياسية، فالفيران ليست هي الوحيدة التي يمكن أن تساعدنا في اكتشاف الدواء.

شاركنا رأيك!