الإيديولوجيا وتمثلاتها في الثقافة العربيّة

مصطفى غني جبر ـ الكلية التقنية الهندسية ـ بغداد

 تُعتبر الثقافة الرحم الذي تتولد فيه الإيديولوجيا، ذلك أنَّ الأخير يُراد به فكر وقانون يعيش في ذاكرة العقل الإنساني ينمو شيئًا فشيئًا إلى حين يجد حياته بين ثقافات مُختلفة ومُتعددة المشارب وفي خضم الصراعات بين الثقافات، يأتي دور الإيديولوجيا التي تولدت في رحم الثقافة ليُمارس نشاطاته وسطوته على العقل، وأنَّ دور الإيديولوجيا كبير لا يُمكن الوقوف بوجهها بحال من الأحوال إلا بسلاح فتاك يُمكن أنَّ يقوم بردعها.

      ومن دون شك إنَّ السلاح الذي سيُواجه تلك الإيديولوجيا هو إيديولوجيا من نوع آخر وإنْ اختلفت مُسمياتها وعناوينها، وهنا أجد نفسي مُضطرًا للقيام بتحليل تلكم الإيديولوجيات التي تتولد منذ وجود الإنسان على المعمورة بالقول من أنَّ منظومة العقل أسيرةٌ لمنظومة قيِّم قد تكون مُستوردة من رحم الأب والأم والمُجتمع الذي يعيش فيه الأبوان، وهو بهذا التقييم يقوم بتوليد إيديولوجية خاصة به تبعًا لمنظومته التي استوردها من مشارب مُختلفة.

      إنَّ الإيديولوجيا القانون الذي يبسط سيطرته على العقل الفرداني ويُولِّد الفردانية التي نادت بها بعض فلسفات العالم بينما ولِّدت فلسفات أُخرى غير تلك الفلسفة الوضعية. ونحن بين ذلك التلاطم في وجهات النظر نجد أنَّنا أمام إيديولوجيات مُّختلفة تسعى كلُّ واحدة منها للنفوذ وفق إمكانيِّاتها وقدّراتها على بسط سيطرتها في مُجتمع ما أو عقل ما أو فئة ما أو شعب. وأنَّ تلك الشعوب محكومة بأيديولوجيات منظمة وضعها الإنسان تبعًا لخلفيات مُختلفة استطاع تجمعيها لجعلها منظمة تسير ضمن أوتار مُوسيقية مُحددة تُحاول إيديولوجيا الإنسان أنَّ تفترس الآخرين، وتقمعهم بهدف وحيد هو بسط نفوذها عليه قدر الإمكان، وإنْ اختلفت مُسمياتها وعناوينها وأهدافها التي تطرحها، فهي تطرب آذان السامعين بأنَّها تسعى لتحريرهم وتطويرهم ولكنِّها تبطن لهم المكائد دون أنَّ يشعروا، في حين سيكتشف الإنسان أنَّ سيرة ضمن أُطر تلكم الإيديولوجيا كان خديعة ومضيعة لوقته وحياته، وأنَّ سيرة ضمن رحم تلك الثقافة التي أخذها من عوامل مُختلفة كان عن معرفة مُحددة وضيقة الأفق. من هنا سيحاول دومًا أنَّ يخترع إيديولوجيا خاصة به تتعلق بشخصه يُمكن في يوم من الأيام أنَّ تصبح نوعية، وهي في أصل ذاتها شخصية تحولت بفعل عوامل وظُروف ما نوعية لتصبح عبادة مُجتمع ما وفئة ما دون أنَّ يفكر الآخرون من بعده في مُحاولة تشريحها وتفكيك حيثياتها، والنظر في شأنها، وهل هي بالإمكان تستحق السير خلفها؟

   من دون شك إنَّ عمليات التشريح هي أفضل عمليات يمكن أنَّ يُجريها الإنسان لكلِّ إيديولوجية يحصل عليها أو كانت تعيش بداخله لخلق نمط جديد يُمكن أنَّ يحل محل القديم، فالمرء يحتاج لكلِّ جديد يرتقي به، فما عادت الفلسفات في بعض جوابها مُلّبِّية لطُموحات الإنسان الفرداني. وما عادت بعض العقائد ملبِّية للظمأ الأنطولوجي؛ وعليه قام بعض الناس بمُراجعة لمشاربهم المعرفية لتوليد عقائد يُمكن لها أنَّ تسد رمقهم وظمأهم، ومن دون الوقوف بصدق بوجه تلكم الإيديولوجيات للقيام بعمليات تشريحية للماضي الذي أُعيد توليده بعملية اجترارية وإعادته للحياة لكي يعيش بعد موته، فإنَّ مصير الإنسان نحو الأسوأ وإنْ ادعى خلافه. فالماضي ينظر له بقدر ما يُمكن من إيديولوجياته التي تولدت ضمن مناخ ثقافي محكوم وبأطر اجتماعية أنَّ يستفاد منها.

    فلا قيمة لإيديولوجية ثقافية من دون أنَّ توفر للظمأ الأنطولووجي المياه العذبة، وهذا يحصل بعد القيام بعمليات تشريحية للماضي والحاضر بأفضل أدوات المعرفة للاستفادة من الماضي، ورمي ما لا يخدم الإنسان في المتاحف.  ومن دون أدنى شك أنَّ هذا المقترح يشكِّل صدمةً للعقل العربي الذي يعيش الأزمة منذ عقود طويلة، وظمأ أنطولوجيًا كان ولا يزال غير قادر على خلق واقع أفضل. فالعركة بين الإيديولوجيا والثقافة هي معركة مصير يُكتب النصر للإيديولوجيا وفق القيام بتشريح الماضي دون الرأفة به، والنظر إليه بعيون الحاضر حتى يستطع العقل العربي النهوض بواقعه والرقي بمستقبله. فما عاد اجترار الماضي هو الحياة المثلى للعقل العربي، وما عاد الماضي مدرسة يُمكن الركون إليها إلا في بعض جوانبه المشرقة، بل حتى جوانبه المشرقة هي بحاجة إلى مراجعة خلفياتها المعرفية ومرجعياتها، وكيف تشكَّلت؟ وكيف تولَّدت؟ ومن ساهم في جعلها نوعية تُسيطر على واقع العقل العربي؟ ولم لا زالت عمليات اجترار الماضي هي الطريق الذي دأب عليه العقل العربي؟ ولمَ لا يفكر في طريق آخر للنظر في وضعه؟ ولمّ لا يزال يفكر في منطق المُؤامرة وكأنَّها النصّ الذي لا يتكرر والسبب الذي لا ثاني له. ولو فكرنا في النظر في أحوال الآخرين ممن تقدموا وواكبوا ركب الحضارة لما بقيت تلكم الأسباب المطروحة والتي تكَّرر في أروقة وحضانة وثقافة العقل العربي.

        إنَّ ثقافة العقل العربي تحتاج إلى نظر في أمرها وواقعها وخلفياتها ومرجعياتها ومشاربها المعرفية، وأنَّ تعيد حساباتها لئلا تعيش الأزمة. نعم هي أزمة الماضي والحاضر ولا زالت مشاكل الماضي هي حجر العثرة التي يتكئ عليها العقل العربي في تقديمه لتذمراته، وويلاته التي حلَّت به. وما أعنيه من إعادة النظر في ثقافته هو النظر في أيديولوجياته الماضوية التي لا زالت تعيش بيننا، وتنمو وتكبر في رحم العقل العربي. فإيديولوجيات الماضي هي حاضرة في وجدان العقل العربي وضميره وحاضره، مع أنَّ الماضي لم يحلَّ مُشكلات مُجتمعه لكي يحلَّ مشكلات عصرنا، وثقافة الماضي ليست كلُّها جديرة بأنَّ تكون منبع المعرفة للحاضر والمستقبل وتحلَّ كقانون نوعي للمُجتمع والعقل العربي. وإنَّ مُراجعة الماضي ضرورة تقتضيها ظروف مرحلة العقل العربي للتفكير في النهوض بنفسه ووجدانه، ولكي يحصل على الدواء للظمأ الأنطولوجي الذي يُعاني منه منذ عقود طويلة من الزمن. فما عاد العقل الماضوي العربي وثقافته وأيديولوجياته التي تولدت في رحم وثقافة الماضي ومشاكله، وما يتسم بهذه الخصائص والصفات يُمكن الاستفادة مما يُمكن أنَّ يكون غذاء للعقل العربي. والمثقف العربي مسؤول عن النظر في ثقافة العربي وماضيه، والاستفادة من تجارب الآخرين ومشاربهم، دون وضع أية حواجز كالخوف من استيراد تجارب الآخرين بعد أنَّ ثبت فشل تجارب الماضي وثقافته، والتبجح بأسباب عديدة دون التفكير في حلول ناجعة يُمكن لها أنَّ تغير العقل العربي. فالماضي ننظر له بعيون الحاضر، ونقوم بعملية تشريح عميقة ودقيقة، وبتعبير أدق نقوم بعملية مذبحة للتراث وهي مذبحةٌ نقيةٌ خالصةٌ تعيش مسؤولية النهوض بالواقع العربي، دون التفكير والنظر إليها بعيون المؤامرة والتجسس، ومحاولة مسخ هوية العقل العربي. فالهوية لا يُمكن لها بحال من الأحوال أنَّ تبقى على حالها، وتلك  من سنن الحياة التي تخضع للتبدل والتطور والموت والحياة.

       وما الإيديولوجيا إلا نمط الحياة الجديدة التي تقوم بمذبحة الثقافة الماضوية، ومن دون أنَّ تتزلزل هوية الماضي لا يُمكن أنَّ توجد هوية جديدة تحل محل الماضي المأزوم، والمذبحة من شأنها أنَّ تزلزل هوية الماضي بعملياتها التشريحية وبمذبتحها للتراث العربي وإنْ جوبهت هذه العملية بجيش، فإنَّ هذا الجيش سيتبدل حاله في يوم من الأيام، وسينخرط في جبهة من قام بعمليات التشريح، وبتعبير أدق سوف يقوم المجابهون لكلِّ من يقوم بمذبحة الماضي وتراثه بالانخراط معه بعد معاداته، ومحاولة قتله بشتى وسائل القتل الأيديولوجية.      وفي نهاية المطاف سينخرط بعضهم ومن لف لفيفهم وأولادهم مع جبهة منتجي الهوية الجديدة والتي يتأمل العقل العربي في أنَّ تأخذ دورها وحياتها كما نجحت تجارب الماضي الشخصية بعد أنَّ بسطت نفوذها وسطوتها على العقل العربي.

شاركنا رأيك!