الإستسياد والفوضوية من التفكيك إلى الوصاية: قراءة في المتغيرات العربية من مدخل التغذية العكسية

د. جمال الهاشمي

تشكل العاطفة المجردة عن العقلانية والواقعية أزمة عربية وإسلامية في إدارة الشؤون المجتمعية والأمنية وإدارة العلاقات الدولية والسياسات العامة، وهي من التراكمات التاريخية منذ سقوط دول الحضارات العربية التاريخية، ومن مؤشراتها ظاهرة الاغتراب السياسي، وفوبيا المؤامرات، ومتخيلات النصر، وعلة الأحادية المطلقة.

 فمنذ تحرر العرب من نظام الوصاية الاستعمارية وخروج الاستعمار العسكري خروجا مستدعيا لوجوده بخلق أزمات متداعية ومبررة لعودته بإرادات تأسست على المظلومية كشرعية لاستحضاره ليس كوجود عسكري بالقوة وهو أهون الشرور الباحثة لنظرية القيم الحضارية المقاومة، وإنما عودته المصطنعة والممنهجة بصوره السياسية والثقافية والاقتصادية والتنموية والقيمة والتقنية والعسكرية وحتى المجتمعية والفردية، والقائمة على خلق الفوضى المجتمعية الثورية لإرباك المؤسسات العسكرية ومن ثم تمكين المعتقدات الفوضوية العشوائية، وهنا تتحول صورة الاستبداد العسكري إلى استبداد فوضي يفوق فوضوية الأدغال.

 إذ تتعدد صور النموذج السياسي الغربي في التعليم، والسياسة، والتفكير، والاقتصاد، والتقنية، وتتعداه إلى النموذج الأخلاقي والإداري ونموذجية القيم والثقافة، وأخير نموذج المجتمع الملهم للمجتمعات المتخلفة، والفرد النموذج الملهم للفرد في الدول المصطنعة على النموذج المقلد.

إن تخلف الحضارات تسببه غياب النموذج العربي والإسلامي بكل صوره، وحتى تلك الأقليات المهاجرة تدرك أنها تنساب بقوى خفية نحو تقليد النماذج الغربية الناعمة بصورها الدبلوماسية المادية و النفسية والسياسية والأخلاقية والترفيهية، ويشكل هذا المغترب نموذجا لا أدريا متغيبا كأداة استعمالية لغزو مجتمعاته بقيم وثقافات جديدة أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي من عولمة الثقافة والسلوكيات والمظاهر الغربية، ولم تعد سياسة الإغلاق مجدية للنظم السلطوية، فقد أصبح التأثير يغزو المجتمعات العربية والإسلامية برعاية القوى العالمية وحقوق الإنسان.

لقد كان النموذج الغربي بداية عصر الحداثة في إطار التأثير على دائرة النخب السياسية الحاكمة؛ إذ كانت اللغة الفرنسية ومظاهرها السلوكية أنموذجا مقلدا مسيطرا على عقلانية البشوات ثم قيادات التحرر من الاستعمار بقوانين وأنظمة وقواعد وسلوكيات وبإرادة وأهداف السيد المستعمر.

وساهمت السلطة من توسيع تلك الثقافة حيث كانت المرأة من أهم مظاهر التقدم الحضاري للمجتمع، ومع هذا كانت المحاضن المجتمعية تقاوم ذلك التحرر بفطرتها خارج إطار التنظيمات الحزبية وخارج إطار قيادة المفكر.

ومن ثم برز تحولا مجتمعيا مقاوما لثقافة المستعمر الغازية، وتعدد صورها إلى:

  1. الجيتيوهات السلفية: وهي التي اتخذت سياسة انطوائية خوفا من الفتنة النفسية وفتنة الأهواء، ولم تستشرف البعد المستقبلي للمتغيرات الدولية و أن الغزو والتأثير يسيتمر في التوسع ما لم يكن هناك نموذجا مساويا أو أقوى منه يرد قدومه ويهدد وجوده كالنموذج الأموي في أعظم دولتين عرفهما التاريخ الإنساني الحضاري.
  2. الجيتيوهات العقائدية: وهي التي اتخذت سياسة اندفاعية وانسلكت في تنظيمات مبنية  على ثقافة أنا والآخر، أو تقسيمات الديار، وبسبب انفصالها عن العالمية بين ذاتية التقاليد، وذاتية الحداثة الغازية تنامت معها ثقافة الحشاشين وسياسة الاغتيال والعنف والتكفير انطلاقا من دائرة الموافق داخل الدولة، إذ بدأ التطرف الشيعي من داخل المجتمعات الشيعية في التوسع وبدأ التطرف السني من داخل المجتمعات السنية، والأيدلوجيون من داخل تنظيماتهم، ثم الدائرة الثانية في التوسع نحو السيطرة على المخالف العقائدي ثم الدائرة الثالثة وهي مرحلة السيطرة على السلطة بالانقلابات وسياسة فرض الأمر الواقع، ومن ثم تمرر الفكر المتطرف بالإكراه على المجتمعات، وتتأثر هذه العقائد بالمعتقدات اليهودية التي تؤمن بفكرة التضحية  بنصف المجتمع لعيش النصف الثاني. وتتنوع صورها تحت مظلات التشييع والتصوف والتسنن مما وسع الفجوة بين المعتقدات والسلطة والمعتقدات وبعضها، وهي أكثر المعتقدات تهديدا للأمن والتنمية وقيم السلطة والمجتمع وهي المرحلة الأخيرة من التطورات العقائدية المفارقة للقيم المجتمعية.
  3. الجيتيوهات الحزبية: وتتبع سياسة الموافقة المبررة، وتتلون بتلون القوى المؤثرة محليا ودوليا فهي مع المصلحة الجزئية متشرعنة بالقومية والمفاهيم الدينية والمظلومية، وتتلون في مواقفها كما تتلون في تبريراتها، ومع أنها سلمية فإنها تؤسس للعنف الكامن.

وكل هذه المعتقدات صناعة سياسية تبدأ بالسلطة وتنتهي بالمجتمع ثم تحدث تغذية عكسية تهدد السلطة، وتخرج عن السيطرة بهذا الخروج وتتحول إلى قوة عابرة للحدود الدولية، ونظرا لأنها الجانب المعارض للسلطة وهي الجانب الأضعف فإنها تحدث تغيرات جذرية ليس في المفاهيم الحيوية التي هي من مقاييس التكيف مع المتغيرات العالمية، بل تتحول عن المبادئ التي تأسست عليها، فمن تكفير الديمقراطية والعلمانية والانتخابات السياسية وتحرر المرأة ورفض الآخر إلى الحوار معه فالتعايش ثم الأسلمة.

وبهذا تفقد مع الوقت بريقها الأصولي أو الديني أو الحضاري وتتنازل عن البنى الفوقية التي تأسست عليها لتتأسس مع الواقعية الدولية، ومن ثم تخرج عن كل المحددات الضابطة وتأخذ بالسياسة الميكافيليلة، وتستمر برفع شعارات الأسلمة كلما قاربت الوصول من الهدف، فإن أخفقت بدأت بعملية التصفير والعودة من البداية.

وتستمر هذه الجيتيوهات في التناقض الفكري لارتباطه بالمصلحة المادية كمتحدد مفارق للمصلحة القيمية (الشرعية) وتتراجع شرعيتها عند تمكينها في السلطة.

إذ تسيطر عليها ثقافة السلطة الوظيفية والمكوس، ويعاني اتباعها من حالات مرضية تسمى في علم النفس الاغتراب والانفصامية والسلوك القهري، وهو من أهم منتجات القيم المادية، الذي عالجها الغرب باستحداث الأنسنة كأيدلوجية معالجة للاستهلاك والتطرف المادي باتجاه الداخل، وأيدلوجية سياسية لتوسيع دائرة الصراع في اتجاه الخارج.

لم يدخل الاستعمار إلا من مداخل تنفيذية اصطنعها الاستشراق لدراسة البنية المجتمعية تطورت مع التجربة التي طورت قواعد العلاقات الدولية ومن العلاقة مع المجتمعات من خلال المنظمات الحقوقية والحزبية، وأنظمة الدفاع المشترك والصداقة والتجارة الحرة.

وهذا الخروج المتداعي اجتماعيا وسياسيا وفرديا ألغى مفهوم الاستسياد (وهو من مصارع طلب السيادة بالاستبداد) الذي كان سائدا للنظم العربية منذ نشأت الدول القومية، والتي تحولت في إيران بقيام الثورة الخمينية.

و قد سبقه نجاح الثورة المختلطة في مصر بين التيار الإسلامي والإيدلوجيات القومية بقيادة الضباط الأحرار، وهذه الثورة تكررت مجددا مع ثورات الربيع بمشاركة التنظيمات والحزبيات المختلطة إلا أن هذه التجربة تتشظى وتتحول الى صراعات داخلية.

 ونرجع الفروق  بين تحولات إيران،  وفشل التحولات في دول الربيع العربي إلى أسباب تكوينية وحضارية ومجتمعية ودولية.

حيث بدأت مرحلة جديدة من مراحل انتقال الدولة القومية ذات السياسة المنطوية محليا إلى مرحلة قيام الدولة الإسلامية ذات السياسات التدخلية، والأساس في هذا التحول مبني على فلسفة القيم الحضارية لكلا النظامين القومي القائم على مبدأ التوسع العضوي بمفاهيمه التاريخية وجغرافية، والإسلامي القائم على القومية العرقية وهي سياسة جديدة تؤسس لثقافة الصراع على القيمة بين جنس العرب وجنس العجم وبين وطننة الدولة والوطننة الأخرى.

وفي الجانب الآخر فإن تعدد الدول العربية ارتبط بتعدد الإرادات القيادية واختلافها، والثقافة التاريخية، كما أن الصراعات بين الدول وبعضها على الحدود مدعاة لتعدد الصراعات المحلية داخلها.

إن الإشكالية القائمة بين الدولة وبعضها، والمعتقدات وبعضها بني على المظلومية والاستبداد، ولن يزول ما لم تتشكل البنية الحضارية على البنى الفوقية.

ولهذا نجد إخفاقات الدول العربية وابتعادها عن النهوض الحضاري يرجع إلى تجريدات القيم عن دورها في واقع التنمية والمجتمع والمؤسسة والدولة والفرد.

إن أزمة التصور المجتمعي والأحزاب لمآلات الفعل الثوري وسعيها لإسقاط النظام والأمن لم يكن الهدف منه تحرير المجتمعات من حاكمية الاستبداد (القوة التسلطية) وإنما وضعه في فوضوية الاستبداد (القوة الجاهلة)، وهذه الفوضوية أسقطت الأمن والدولة والنظام وتفويت المصالح الكلية وتسليم الدولة للقوى الاستعمارية القديمة التي تنبهت لخطر المؤسسات العسكرية وتناميها وسعيها للتحرر من وصاية الاستعمار غير المباشر.

لهذا كان إسقاط العراق عبر ثلاث أربع دوائر بدأت أولها من الداخل كنواة أساسية لخلق المظلومية الطائفية والإثنية والجهوية، ثم مظلومية الأخوية مع الكويت ومن ثم المظلومية القومية مع إيران، ثم المظلومية الإنسانية بحشد المجتمع الدولي بما في ذلك الدول الصديقة.

ولأن العراق ثغرا فإنها كانت الطريق إلى سوريا واليمن، وبنفس النسق الاستعمالي لمفهوم الفوضوية، وفي ليبيا فوضوية من نوع آخر مقارب لذلك، وهناك مظلوميات ملتهبة بنفس السياق وإن كانت بمفاهيم أخرى شبيهة بذلك.

إن إدارة النظم العربية للأزمات مكلفة جدا، وأكثرها تسكنها ولا تضع الحلول لها، بل وتمنحها فرصة النمو والتثبت بالمفاوضات وتؤسس لها برعاية دولية.

ويرجع ذلك إلى انكشاف المؤسسات العسكرية عبر ما يسمى بالتحالفات وشراء الأسلحة وتجنيد قوى أجنبية لإدارة التكنولوجيا العسكرية.

إضافة إلى عدم قدرة المؤسسات العسكرية على تجديد استراتيجيتها وكذلك جمود الذهنية السياسية في علاقاتها المجتمعية والمحلية والمؤسسية.

وانكشاف البنى التنموية والبنيات المجتمعية. وكل هذه المعلومات وإدارتها وحمايتها هي الأزمة الأولى في إدارة الدولة ومن ثم فإن المرحلة الجديدة هي مرحلة تدمير المؤسسات العسكرية وتفكيك المجتمعات وتجزئة الدولة وتطويع النظم الجديدة وإذلالها بخلق صراعات داخلها أو مع بعضها.

فما هي الحلول التي تعيد ابتعاث قيم الدولة وتحفظ عيلها بقائها وتؤسس لوجودها؟ نحتاج في الأساس إلى وضع حلول عملية تتجاوز الشعارات القومية وشعارات التدين التي ساهمت جميعها في عسكرة المجتمعات خارج إطار شرعية الدولة .

This Post Has One Comment

  1. عبد الكريم حسن غلاب

    إقتباس (إدارة النظم العربية للأزمات مكلفة جدا، وأكثرها تسكنها ولا تضع الحلول لها، بل وتمنحها فرصة النمو والتثبت بالمفاوضات وتؤسس لها برعاية دولية.) انتهى ..

    تعليقنا : و هذا ما نحن مقبلون عليه .. تسعى المفاوضات الدولية لأوضاع كل من ليبيا و اليمن و غيرها الى الاحتفاظ بقوة بوحدة تلك الدول .. لكن في صورة فيدراليات .. و الزمن قد اثبت جليا أن فيدراليات ما بعد الصراع إنما هي اداة توليد لصراعات أكثر عمقا على مستوى الهوية الوطنية و العقائدية و الجغرافية ..
    سيتم الحفاظ بقوة على الشراكة الادارية ليتنافس الشركاء بوتيرة عالية لخلق تباين حقيقي في الوسط الشعبي .
    نعم نحن بحاجة الى حلول لا تكون أساس في عسكرة المجتمع أو تنتقص من سيادة القانون .

شاركنا رأيك!