الإدارة والتنمية العربية من منظور البيئات النفسية

د. جمال الهاشمي

يرى فريق من التنمويين أن ابتعاث النموذج الحضاري الإسلامي أو العربي لن يكون إلا من خلال استصحاب العلوم التجريبية ومواكبة التحولات الصناعية والتطورات التكنولوجية ولن يتأتي إلا من خلال فتح  الحدود  على  العالم المتقدم بثقافته وقيمه وأخلاقه ونظمه كوسيلة من وسائل تقاسم المعرفة وتبادل المعارف العسكرية واللوجستية، والتقنيات الصناعية والعمارانية، وهذه أمنيات أو تخيلات ما لم ترتبط بأصولياتها النقلية  أو تعليمية، وهذه الأصوليات تبدأ من الذات وتنتهي بالآخر عبر تخطيطات منهجية ترتقي بمستوى  النفس والإرادة والوعي هو الذي يقاس قياسا كميا بمؤشرين: أحدهما يحدد الإمكانيات ووسائلها، والثانية، الممكنات  واشتراطاتها  التي لا تغيب عن ذهنية المخطط الاستراتيتجي وتدخل معها المقاييس الإحصائية والزمنية والمكانية بما تفترضه من احتمالات ومخاطر ومنجزات واخفاقات ومعالجات ومقاربات وهذا مل لم يكن معتمل في جامعاتنا المنطوط به الرقي بالتربية والتعليم والتنمية والإدارة والحضارة والتقدم.

فإن كانت مؤسسات عاطلة كانت أسوأ معاول التدمير والهدم داخل المجتمعات والمؤسسات والدولة، وإن كانت مؤسسات حضارية ارتقت بقيم الحضارات والنهوض والتتنمية والتقدم، وهي من أهم المؤشرات التي تدرس بها تحولات الدولة ونظمها.

ومن جهة أخرى فإن التخلي عن المؤسسات والتوجه نحو بناء الحضارة بمداخل الآخر أزمات أخرى أكثر تدميرا من العجز وغياب القدرة لأن في الأولى عجز وفي الثانية استلاب، وهذا هو التحول الذي بدأ في كثير من الدول تحول الدولة من العجز إلى الاستلاب، في الأولى تدرك الجامعات عجزها وتتعامل مع الوظيفة الأكاديمية كضمانات اجتماعية، بينما في الثانية يتعامل رواد التنمية الجدد مع الانفتاح كحالة من حالات التقمص والتشبه الحضاري واستهلاك مظاهرها، وهذا لا يؤسس للأس الحضاري أو البناء إن لم يسهم في تدمير الأس الذي يحتاج في الأصل إلى بناء.

وقد جربت الدول العربية كلا النموذجين: نموذج العجز، ونموذج الاستلاب، وما تزال الدول الذي كانت تستورد الأفكار العاطلة عبر وسيط، تستوردها مباشرة دون وسيط، وقد توفر نفقات الوساطة بهذه الطريقة ولكن النتائج محتومة على المديين الذي يقاس وفقا للرؤية الاستراتيجية بالخطط العشرينية إلا أن مؤشراتها تقاس في أول خططها الخمسية، أو بعد الإطلاع على خططها المحددة في الروئ المرسومة.

ورغم مضي عقود من الانفتاح على المعرفة الغربية لدى كثير من الدول التي تعاني من أزمات كامنة ومشتعلة يهدد أمنها واستقرارها السائد، أو الانغلاق لدول سعت لرفض المعرفة تحت دعاوي حماية القيم والتقاليد والخصوصية وهي الأخرى تعاني من أزمات محلية ودولية إلا أن جميعها مهددة لسببين:

الأولى لارتباطها بأصوليات مستوردة وهو تقليد أفقي غير واع

الثانية: لانغلاقها على تقاليد  فاسدة وهذا تقليد رأسي غير واع.

والوعي هو المعرفة الأولى لمعرفة الذات والخصوصية والآخر والموضوعية.

ولأجل البحث عن المعرفة المزعومة حضاريا، استغل دارسي الهندسة والطب في الغرب وسطاء بين دولهم ومن نجح منهم أصبح جزءا من نسيج الغرب وقيمه، ولو عاد بمعارفه لوطنه الأم لافتقد ما تميز به.

لأن البئات بهذه النوعية حارقة ومدمرة.

لدينا كليات في الهندسة ولدينا شركات مقاولات أو مدراء ومهندسين أجانب في تنفيذ خططنا المدنية والتقنية.

لدينا مستشفيات كثيرة ولدينا رحلات طبية يومية.

لدينا أراض زراعية و لدينا استيرادات زراعية .

لدينا موارد طبيعية ولدينا شركات أجنبية لاستخراجها.

ما ننجح به فقط إن نجحنا هو السياحة ليست الأثرية فقد دمرنا كل شيء بل السياحة بأسوأ مدلولاتها الأخلاقية.

لدينا وطن لا نعرفه ويعرفنا إلا في الأزمات، وما دون ذلك فهو وطن الأقلية وغربة  الأكثرية، لدينا جنسية  وجواز لا يسمح من تجاوز حدود دولتنا، وما التهريب والهجرات عبر الحدود إلا تمردا  على هذه القيود الجنسية.

لدينا وطن  ليس أكثر من سوق وعبيد.

مفهوم الوطن نشأ في أوروبا ووطننا مواطن منذ ولادتنا ليس في عقولنا سوى المؤامرات والصراع والسجون والجرائم.

لأن علة الاختلاف في عقولنا لا في أوطاننا في إدارتنا لا في مجتمعاتنا، في أنفسنا لا في غيرنا، في تربيتنا لا في ثقافة الآخر، كلما تناسلت الحزبيات الوطنية زادت مواطنها تحت مظلة المواطنة.

وكلما تناسلت  الطوائف زاد صريمها  (فطاف عليها طائف من ربك فأصبحت كالصريم).

مجتمعات لا تؤمن إلا ببعثة معاصرة، وكلما غاب مبعوث ولد آخر، وبين كل مبعوث وآخر صراعات وقتلى ومعوقين وأموات لأن الأزمة الإشكالية تكمن في ثقافة المؤامرة التي أوجدت مكونات متآمرة.

والأزمة لا تكمن في العقل العربي، إذ لا توجد دونية بيولوجية كما صورته وتصوره النظريات الفاشيستية الغربية، وإنما الإشكالية إدارية وإرادية، نفسية وعقلية، ، فالعجز الإداري يفسد القدرة، وفساد الضمير يعطل الإرادة، وإشكالية النفس تفسد الفضيلة.

إن تحولات المنطقة العربية ما تزال قائمة على ثقافة التوحش والآخر ، وتقابلها لدى الآخر ثقافة عقلانية تجارية نفعية واعية مدركة بالواقع العربي كجغرافية طبيعية،  والعقل العربي المتشظي جهويا وطائفيا إثنيا وقبليا، حزبيا وعرقيا، تشظي الهوية التاريخية والحضارية الواحدة،  هذه الجغرافيا التي تشكلت فيها معالم القيم النبوية وجغرافية المقدسات، وجغرافية الثروات الطبيعية والموارد البشرية، هي الجغرافية التي تحولت عن إنسانيتها إلى الفوضوية، وعن دينها إلى الدموية، وعن حضارتها إلى البربرية، وهن استعمارها إلى التدميرية، وعن إصلاحها إلى التخريب  في أكبر أزمة عالمية  تاريخية، لم تكن باكيتنا على الاندلس ولا  محنة التتار إلا كبوات أعادت للإسلام مجده في القوة والأمن ولكنها لم تعد له روحه وقيمه وحضارته.

أما اليوم فكل ذلك معدوما، وليس بعد هذا السوء أسوأ منه إلا المسيخ الدجال، ونهاية السوء ربما عهد يتجدد في نهاية التاريخ وقيامته.

 

إن السفساطئية السياسية هي التوهم النفسي المتخيل الذي يوسع الحاجة بين متطلبات  التنمية واحتياجات الأمة.

وهي إشكالية إدارية تكمن في النفسية، التي حولت القدرة إلى أزمة والإمكانية إلى إعاقة،، وإشكالية النخبة التي حولت العلم من خلاص إلى  نكبه، وإشكالية المجتمع  الذي حول القيم إلى الصراع، والأنس إلى الوحشة، والتعاون إلى الفرقة، وإشكالية الثقافة التي حولت القيمة إلى قبلية، والأخلاق إلى رذيلة . ذلك كله من الطبائع السيئة التي هي  من ثمرات  البيئة والتربية والتعليم والثقافتين التقليدية وثقافة الانفتاح .

هذه الظواهر التي تبدو سياسية وعسكرية واقتصادية وتنموية هي حقائق نفسية ، ولذلك  تطور علم النفس الذي كان مقتصرا على دراسة الحالة المرضية و معالجتها إلى حقول أكثر تخصصا تتساوق مع  واقع المجتمع الدولي ومتطلباته، وتدين أوروبا بالفضل للعلوم الاستشراقية،  ومن ثم برزت علوم نفسية في دراسة علم نفس الشعوب وأنظمتها ومعتقداتها، والذي غدا من أهم موضوعات العولمة نظرا لتدفق البيانات ليس على مستوى التصريح السياسي وإنما دراسة السيكلوجية العامة عبر وسائل التواصل المجتمعي، وتوجهات المجتمع، وكل ذلك يعزز من  رصانة القرار الغربي وعالمية العقل السياسي المركزي (العقل الغربي).

هذه العقلانية العلمية هي التي أخرجت مصطلح التخصصات العلمية، وهي التي انتجت كتاب: (صدام الحضارات) (الدبلوماسية الشعبية) (علوم نفس الأتصال) (علم الدبلوماسية) و(علم النفس الصناعي) (وعلم النفس الديني).

وكل هذه العلوم  موضوعها الأساس هو علم المجتمع، وعندما تجد مواطنا من أية دولة تجد أنه مؤشرا اجتماعيا، ولكن ظروف دراسته يكون بتوفير الحرية له، ومتى توفرت له الحرية الطبيعية يكون عنصرا صالحا للدراسة كمؤشر وحيد، وفي الدراسات النفسية نحتاج إلى مؤشرات متعددة لكي نقاربها باتجاه العلوم الإمبريقية.

كان علم النفس الديني يندرج ضمن حقل العلوم المجتمعية، ويقاس من خلال تأثيره على المجتمع، ثم مع ظهور الموضة الدينية والطائفية برز علم النفس الديني  كأحد الموضوعات لقياس التوجهات النفسية، ومن ثم أصبح من الموضوعات الاحتمالية التي يمكن توجيهها ضد الطوائف الأخرى عبر مقاربات نفسية.

أما علم النفس السياسي فقد برز في الغرب كعلم دراسة الشخصية من خلال البيئة والأسرة والرفاق، وكان فاعلا وصحيحا، وأصبح من أهم المقاييس التي تدرس فيها السلوكيات والقرارات والتصريحات السياسية.

فالتصريحات مكون نفسي: تربوي وقيمي وأخلاقي يوضح نمط الشخصية السياسية، ومن ثم استعمل هذا العلم لدراسة القيادة العربية والإسلامية عبر استحداث القمم الدبلوماسية والجامعات العربية والمجالس الإقليمية ثم تطور عبر امتهان القيادات السياسية  للصحافة واللقاءات الصحفية، فكانت هذه التصريحات من أهم بيانات الدراسات النفسية، ثم تلاها لقاءات صحفية مباشرة مع القيادات العربية وعبر مترجمين دوليين، ثم تيسر الأمر بعد تعلم القيادات العربية اللغات الأخرى فأصبحت أحاديثهم من الأخبار الناطقة التي تقاس بمعايير الماصدق.

أما علم النفس العسكري فتستقى معلوماته عبر التدريب والقواعد العسكرية، واللوجتسية، والتحالفات والعمليات المشتركة، ثم تأتي الدول بعد ذلك لتتحدث عن سيادة الدولة والمواطنة، تلك المصطلحات السوفسطائية الجدلية المجردة عن الواقع، أو التي لم تعد لها وجودا.

لنترك موضوعات السيادة فهذه من الموضوعات التي لا يعد  يفد اية  دولة  إلا أن تكون عظمى، أو كبرى مستقلة اقتصاديا وعسكريا وثقافيا، وما دون ذلك فالقوى العسكرية والاستخبارات ليست أكثر من قوى إمبريالية محلية أو شركات اقتصاد حربية عندما ترتبط الأزمات بدول الجوار.

التصريحات الوطنية والعاطفية التي كانت تتغنى بها أم كلثوم في عصر المد القومي أوجدت قوميات كرتونية قائمة على التصريحات كأداة من أدوات التخدير النفسي للمجتمعات، والمد الإسلامي استخدم نفس أدوات التحفيز العاطفي في المعارضة،  ثم استخدم نفس التصريحات القومية لكن باللكنة الإسلامية؛ ثم تتأسلم القومية أو تتقومن الإسلامية، تارة تصبح القومية مفهوما عاما للدفاع عن جزء قطر، وتارة يتقزم مفهوم الإسلام ليدافع عن وطن.

المشكلة ليس في القومية وليس في الإسلام، وليس في مبادئها إنما في السيكولوجية الشخصية والنفسية المجتمعية، ويكاد يتفق علماء النفس أن تصدير الأزمات النفسية وتعميقها  داخل المجتمع الواحد والثقافة الواحدة والأمة الواحدة والدين الواحد هو الأكثر تدميرا من الغزوات المسلحة، و أجدى من غزوات التتار التي ابتعثت القوة الإسلامية في معركة عين جالوت، وأفضل من المعارك الصليبية التي وحدة الأمة في معركة حطين.

إن كل العلوم المعاصرة تبنى وتؤسس على أصوليات علم النفس ومن خلاله تستنبط  أهم المقاييس العلمية لعلم السوق والمجتمع والسياسة  والحروب العسكرية، وأهم مؤشرات الظواهر المختلفة.

ولأجل ذلك تعدد فروع علم النفس إلى السيكولوجية، وعلم نفس المجتمعات، وعلم الإجرام، وعلم النفس السياسي، وعلم النفس العسكري، والجماهيري .وو  وغيرها من العلوم النفسية التي كانت من مداخل علم النفس عند  كبار علماء العالم الإسلامي كابن سينا وابن خلدون والكلبي وابن القيم والجاحظ والمقفع وغيرهم الكثير.

شاركنا رأيك!