الأزمة اليمنية بين إعادة منح الثقة وإشكالية المأسسة.

الأزمة اليمنية بين إعادة منح الثقة وإشكالية المأسسة

د. جمال الهاشمي

g.alhashimi@yahoo.fr

مما أدركناه بالتواتر أن حكوماتنا العربية لا تسمع إلا صوتين؛ صوت مداح  أو معارض، بما له من آثار سلبية على الثقافة والقيم والأخلاق الاجتماعية. أما في الدول العميقة فإنها ترفض الإطراء كونه من دلالات التخلف والانحطاط ، ومن ظواهر استمراء العبودية للمادح، و انفصام الشخصية واهتزاز الثقة وعقدة النقص في الممدوح، كل ذلك يؤثر ذلك على مفاهيم التزكية والشهادة الثقافة العدلية على كس من ذلك فإن الشكر والدعاء من مميزات الرقي الاجتماعي والحضاري والسياسي.

إن ثقافة أحسن ناس وثقافة الشيخ والزعيم لمن لا تتوفر فيه تلك الشروط  تتعارض مع ثقافة الإسلام والعروبة، بل ومع ثقافة الثقافات الحضارية الإنسانية، وإذا أعدنا ابرازها سنجده بدايتها مع  مع ثقافة العبيد، أو ما تسمى ظاهرة المماليك التي كانت من أهم مؤشرات ضعف مؤسسات الدولة العباسية والدويلات التابعة لها بما فيها الدولة الفاطمية في مصر، ومن أهم مميزات الصراع على السلطة.

و لا نجانب المنهج إن قلنا أن أزماتنا من تراكمات الأمس، وقد عبر عن ذلك العقيد  معمر القذافي في ليبيا  وكان وما يزال من أبرز ملامح تشكيل ثقافة السلطات العربية القومية والمعاصرة، وهنا تكمن إشكالية التمييز بين حاجة المجتمع للتجديد من أجل تغذية التنمية واستمرارها، وبين تغذية المؤسسات بثقافات التنافس على السلطة والنفوذ والسيادة.

ومما أثر عن عبد الملك بن مرون أنه قال: (لا تطرني فإني أعلم بنفسي منك ولكن سلني عن حاجتك) وهو المؤسس الثاني لدولة بني أمية بما علها وعليها وما كان لها أكثر مما كان عليها، وهذه من دلالات الثقافة المؤسسية.

ولكل تغيير إرادي ممنهج مؤشرات وتصحيحات جذرية  متسارعة في سياق الأهداف المعلنة؛  ليس بالحديث عنها، وإنما في التعبير الممنهج لها،  مما يمنح المراقب القدرة في التمييز بين  بين الظاهرة والتظاهرة؛ حيث تشير الظاهرة إلى وجود أزمة وإشكالية تحتاج إلى حلول منهجية وعملية مدروسة مسبقا، بينما التظاهرة تحدث هينمة تحرك رواكد الأزمة وتعرضها كإشكالية سفسطائية جدلية وتعبر عن صفتين العجز والفشل المؤسسي، وهذه أزمة قديمة متجددة. أما كونها قديمة فلأنها كانت وما تزال سببا لتراكمات الأزمة.

وجد اليمن قبل ثورة 26  في مصارع الجهل والاستبداد والفقر والمرض، وتحول من ذلك مع الثورة إلى أزمة الصراع والتنافس على السلطة والنفوذ بين القبيلة والعسكر، ثم تطور مع الوحدة إلى الصراع المدني على كيفية التأسيس والإدارة والتبادل السلمي للسلطة،  ومع ثورة الربيع أضيف صراعا قديما جديدا على المستوى العقائدي وصراع الجغرافيا والانفصال، وتجدد مع ذلك كله صراع بين  الملكيين والجمهوريين بنفس الوجوه السابقة، ومع كل تحول  جديد تتضاعف تعقيدات الأزمة ، ومع كل تعقيداتها تتوسع  دوائر التدخلات الدولية، والأطم من ذلك عمليات المسخ الثقافي للمجتمع والهوية والقيم الحضارية.

وأخير قدم النموذج الديمقراطي كوسيلة حضارية لحل أزمة الصراع التاريخي الدموي في اليمن، وحملت معها ثقافة التعدد الحزبي كانعكاس للثقافة المدنية وكان الهدف من ذلك كله دمج القبيلة في الحياة الحضارية، واستبدال العنف القبلي بالسلم المدني. إلا أن الحزبيات والديمقراطية أضافة إلى الانتكاسات السابقة انتكاسات أخرى أتت على التعليم و مؤسسات الدولة، حتى غدت مشاريع الإصلاح المعاصرة  من تداعيات الأزمة ولا مندوحة من ذلك ما دام المفسدون دعاته “وإذ قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون”.

بل كانت المشاريع الإصلاحية منفذ لتكريس ثقافة الاقطاع القبلي والعسكري واقطاعيات أخرى مدنية ومؤسسية، وبدلا من مدننة المجتمع اليمني  تقمصت الحزبيات الطبائع القبلية، ومن ثم كانت مؤسسات الدولة ووظائفها وإرادتها وما تزال فيد و غنائم حرب بين القوى المتصارعة والقوى الاقطاعية بمعنى أخر تمر اليمن بالمرحلة البرجوازية إذ أن الفارق بين نظام الاقطاع وهذه النظام ألف سنة أو كالفارق بين اليمن والولايات المتحدة.

ونعزو تسارع الأزمة اليمنية المعاصرة إلى الغزو العراقي للكويت وهي أزمة سياسية، ثم حرب الانفصال وهي أزمة مؤسسية؛ وليس هذا سببا رئيسا كما يسوق له كثير من الباحثين والسياسين، إنما هو من الأسباب التي فجرت كوامن الأزمة وساهمت المتغيرا الإقليمية والتحديات المحلية على تعقيدها.

لهذا ما تزال المعالجات الخليجية والدولية للأزمة تدور حول ظواهرها لا حقائقها وهذا ما أشار إليها سعادة السفير السعودي “محمد آل جابر” في حديثه تحدث عن تعقيدات الأزمة اليمنية، وهذا توصيف، ووصف الأزمة ليس كالحديث عن المتغيرات، لأن المتغير يقود إلى معرفة الأسباب ومعرفة هولاء بمعرفة الأصل، وستبقى الحلول جزء من إشكالية الأزمة وداعية لاستمرارها وتعقيدها.

ونود التنبيه أن ما قدمت من حلول تسكينية للأزمات العربية  قبل عقدين أو ثلاثة لم يعد نافعا أو مجديا لمعالجة الأزمات المعاصرة، وليس بمقدور القيادات القديمة خلق الحلول المناسبة، وللعلم أن رئيس الشرعية لم تكن سبب في تردي اليمن المعاصر وإن كانت جزء من المشكلة، وإنما ترجع إلى أزمة التأسيس والنظام الذي يدير معه السلطة.

وفي المقابل لا يمكن تحميل  دول الجوار ولا المجتمع الدولي مآلات الأزمة، وإن كانوا من اللاعبيين الرئيسيين ومن العوامل التي وسعت دوائر الأزمة، وعلى ذلك فإن المسؤولية الكبرى ترجع بصفة أساسية ورئيسية يجب على الحكومة الشرعية بالدرجة الأولى ونظام الانقلاب في صنعاء بالدرجة الثانية، وثقافة المجتمع بالدرجة الثالثة وإن كان المجتمع ضحية أكثر من كونه سببا إلا أن تبرئته جريمه منهجية، وتبرئة الأكاديمين والمدرسين والمثقفين جريمة إنسانية.

ولعل انهيار الأمن المجتمعي نتيجة لانهيار القيم وانتشار ثقافة الحيل وتسلط ثقافة المؤامرة التي كانت من مخرجات الصراع التاريخي بين الملكيين والجمهوريين و التخابر بين الإسلامين والراديكاليين، إضافة إلى موروث المماليك والشرق الأسيوي  المتناقضة بين التسلط والاستمراء  والتنافس، و التي أصبحت من أهم ملامح الثقافة المجتمعية القاهرة التي تشير إليها كثير من المصطلحات الشائعة كـ (ادفئه ، والسم بالعسل، واقتل القتيل وامشي بجنازته، وإذ لك عند  .. حاجة فقل يا سيدي، وإذا يدك تحت الحجر اسحبها بالبصر).. هذا الموروث الاجتماعي من العوامل التي أسست لعمليات الصراع بين السلطة والشعب، وأخرج لنا ثقافات هجينة مائعة من النخب العربية.

ووقد نشأت وتولدت داخل هياكل الدولة وخارج نطاق المؤسسات الراشدة نظرا لغيابها أو اغترابها، وقد أثرت بصورة فعلية على ثقافة المعتقدات التي بدورها قابلت الشر بالشر وتأصلت فيها  مفاهيم (الانتحار، والمقاومة وكسر العظم)،  وعرقلت مسارات المؤسسية بفرض ميلشيات القبيلة على الديولة، ومحاصصة الوظيفة العامة تحت مصطلح (شبر مع الدولة ولا ذراع مع القبيلي).

كل هذه التناقضات عرقلت الإدارة والتنمية والتعليم والثقافة والوطنية ومن أهم أسباب استمرار التخلف الإداري اعتماد اليمن على المساعدات الدولية والأسلوب الريعي الاقطاعي وعسكرة الدولة خصوصا مع استغلال ظاهرة الإرهاب، بالإضافة إلى تضخيم الكم في التعليم ورادءة النوع، وما ترتب عليها من  اهدار للعقليات الوطنية واستيراد الحلول الجاهزة لكل أزماتنا ومشاكلنا المحلية ، وبالاعتماد المطلق في إدارة الاقتصاد على الخطط الدولية التي لا تتناسب مع خصائص التنمية وخصوصياتها.

ولأجل ذلك طلب مني بعض الأكاديميين وبعض الشخصيات الرسمية والحزبية أن أكتب عن مقومات التنمية في اليمن وخططها وسبل تفعيلها  لحل الأزمة الإنسانية، وهذا التصحيح لا يكون في الأصل خار سياقات الإصلاح المؤسسي وتحقيق الأمن كأول شرط من شوط التنمية..

ورغم  أهمية التنمية  ودورها في استقرار الدول وبناء الحضارات إلا أن  التنمية تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية وإدارية وتعليمية، وفوق ذلك كله معالجة المعضلات الأمنية التي بدورها تحتاج مأسسة الجيش والأمن والقضاء.

وعلى العقل المؤسسي أن يميز بين الوسيلة والغاية، و لعل من المنطق السياسي  قبل الحديث عن الأهداف يجب وضع الوسائل المؤدية الممكنة لتحقيقها.

وعطفا على ذلك فإن الحديث عن انضمام اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي في أول خطاب يتعاطى مع الرغبات النفسية للمجتمع إشكالية في واقعية الخطاب، وهي أمنية قديمة متجددة، ومع هذا فإن مجلس التعاون يعاني من تصدعات وتناقضات بين وحداته واليمن انعكاس لتلك التصدعات والتناقضات إضافة إلى التحديات والتنناقضات الإقليمية والدولية.

إن مرحلة التمجيد  للرؤى الإصلاحية والتنموية  التي بلغت ذروتها في إعلامنا العربي المعاصر يعكس ظاهرة الخلل والتصدع والأزمات الكامنة والملتهبة والعجز والفشل التي أوجدت الفجوات بين مؤسسات الدولة والشعب.

سنتجاوز الحديث عن مجلس القيادة الرئاسي بقيادة سيادة الرئيس الدكتور رشاد العليمي لأنه في البداية وقد يكون لديه ترتيبات أمنية ليس من الضرورة الإعلان عنها، وليس من حق الصحفيين اظهارها للناس، ومع ذلك فالمؤشرات تدل تحديات بناء الثقة بما فيها تباين وجهات النظر بين دعاة الوحدة و دعاة الانفصال، ومن أهم مؤشرات ضعف الثقة بين أعضاء المجلس الرئاسي الإلتصاق الأخوي في الحل والترحال.

والإشكالية ليس في تبني أي من هذه قرارات الوحدة والانفصال، وإنما في عدم وضوحها، وإن كانت المؤشرات تدل على تغيرات أكبر من المرغوب  تحقيقه، واتحفظ عن الاسترسال في هذا الموضوع لحساسية الوضع وستتفسره الأحداث القادمة، غير أن ما يميز مجلس القيادة وجود شعب وجغرافيا وشرعية وهذه متفق عليه ويبقى امتحان قدرة المجلس في القيادة وقدرته على تحويل تصور المؤسسات إلى مؤسسات فعلية تكون جزء من إرادة التنمية والتغيير والواقع.

أما مؤسسات الانقلاب في الشمال فلديه جغرافية وقيادة ولكن ليس لديها شعب. أما إشكالية المؤسسة فهي إشكالية عامة في اليمن، ولهذا لا يمكن أن تكون في صنعاء دولة، إلا في حالة التنازع بين  قيادات  الشرعية.

كما أن المشاريع التي تعلن عنها حكومة الشرعية ليست كالمشاريع التي تقدمها سلطة الانقلاب، ولا حل لأزمة السلطة في صنعاء إلا بالرجوع إلى المصالحة الوطنية، أو الاستمرار في الحرب.

وفي المقابل فإن من مقومات نجاح القيادة الشرعية هو قدرتها السياسية التي تستمد من شرعيتها الدولية، وقدرتها القيادية التي تستمدها من الرضا الشعبي.

وهنا يجب علينا خلال هذه المرحلة الفصل بين مجلس القيادة الرئاسي الذي كرس مهامه للعمل السياسي والعسكري، والحكومة التي تكرس مهامها للعمل الإداري والتنموي وتجسيد مؤسسات الدولة الخدمية والسيادية.

وإذا تجاوزنا الحديث عن مجلس الرئاسة والأمن فإن الحديث عن الحكومة يأخذ منحا آخر هو من أهم موضوعات النقد في هذه المرحلة.

ونرجع أزمة الحكومة إلى أزمة مجلس النواب السلطة الشرعية التي تمثل اليمن وإن كان وجودها خارج قدرتها التمثيلية إشكالية،  فإن حديثها عن فشل السبع سنوات للحكومة السابقة إشكالية،  أما منح الثقة للحكومة الحالية فهي أزمة.

وترجع أسباب الأزمة إلى أن تصريحات بعض أعضاء مجلس النواب عبرت عن رغبات الشعب، ولكنها في الوقت ذاته خالفت إرادته، والمخالفة بعد العلم أسوأ من التجاهل، لأن إشكالية التأزيم من المؤسسة أو إشكالية أزمتها هو نتيجة الخلط بين الذاتية الخاصة وذاتية العموم.

وبذلك فكل الطمطمات التي أظهرت فروسية اللفظ والنقد من أعضاء مجلس النواب مع منح الثقة مجددا يؤكد على أن المؤسسة تمارس التهاريج وإن كان الشعب ليس بمقدوره تغيير شيء ما دامت القوة والنفوذ تستمد من الخارج أوتفرض بالقوة من الداخل، وهنا يكمن الخطر في أن تتعرض المجتمعات للتعدد وتداخل النفوذ .

ثم إن فرض الثقة وحجب الثقة للحكومة تبنى على آليات وقواعد وأرقام وبيانات ورقابة قبلية و  أثناء ممارسة الحكومة أعمالها بحسب ما قدمته من مشاريع و برامج زمنية حددت لجدولة أعمالها لإعادة اعتبار قدسية الوظيفة العامة والتمثيل والنهج المؤسسية.

لقد مضت سنوات أمن واستقرار ثم تلتها سبع سنوات عجاف أكلن ما قدمت كل تلك السنون، ونحن نتساءل عن العام الثامن وهل سيكون فيها عارض ممطرنا والحرث في أرض إرم، أم سيكون عام يغاث فيها الناس.

ولعل الغد سيكون مثل اليوم كما كان اليوم مثل الأمس لعدة أسباب منها:

  • أن منح الثقة للحكومة من مجلس النواب دون تقديم مشاريع أعمال الفترة القادمة، وتقييم الفترات السابقة دليلا على إشكالية الوعي المؤسسي، ولعل وزير الاتصالات خير من يمثل هذه الأزمة من خلال ما قدمه من أطروحات مقارنة بين الدول المتقدمة واليمن، وأي خلل لأي وزير يتحمل رئيس مجلس الوزراء هذه المسؤولية والأجدر من ذلك أن يمتلك الشجاعة ويقدم استقالته ككفارة لما سبق من ماضيه في إدارة مؤسسات الدولة أو إن عدمت لقبوله إدارة هياكل وهمية لمفهوم المؤسسة، أو دوره في خلق مؤسسات فعلية للدولة.
  • أن منح الثقة من مجلس النواب دون المشاركة في هذه الأزمة في تقديم مشاريع وبرامج إدارة الأزمة بما لديه من لجان متخصصة يدل على عجز هذه المجلس في إدارة المؤسسات أو تأسيسها أو التعبير عنها، ومن جهة أخرى فإن استمرار تمثيل أعضاء مجلس النواب يعد أزمة أخرى من أزمات استحقاق الشرعية.

ونكرر أن مثل هذه الأزمات تحتاج إلى مجلس قيادة متخصص وخبراء وكوادر محلية تقدم دراسات كمية وكيفية لإدارة مشاريع الأمن والعلاقات الدولية والتنمية والتعليم والخدمات العامة.

كما تحتاج هذه المرحلة إلى الصرامة والفطنة الإدارية والقدرة على تبادل الأدوار ومواكبة القرارات للظواهر الناشئة والمتجددة واستيعاب التحديات والمعوقات وتثمين الدماء التي سكبت خلال فترات السبع سنوات وتقدير حجم الخسائر.

وبذل العفو قبل القدرة على المخالفين، وتشكيل لجنة متخصصة من المحايدين  خلال هذه الفترة للتفاوض مع حكومة الانقلاب، وعلى الباغي كما قيل تدور الدوائر.

شاركنا رأيك!