إشكالية التجديد عند بعض مفكري العرب: قراءة نقدية

محمد المرابط  ـ أستاذ الفلسفة  وباحث في الفكر الإسلامي

 يعرف الفكر الإسلامي المعاصر تيارات فكرية متعددة منها ما هو مؤصل ومنها ما هو مستجلب أو محتطب. وحديثي هنا عن تيار معين بعينه، وإن اختلف ممثلوه  في طرائق النقد والاستنتاج، فإن الصبغة العامة التي تميزهم، أن باعهُمْ في التراث الإسلامي التأصيلي ضعيف أو لا باس به، هذا بالإضافة إلى كونهم لم يتذوقوا البعد الرباني في التراث الإسلامي.

لقد درسوا هذا التراث باستنتاجات مسبقة في الغالب، والحال أن دراسة التراث الإسلامي  يجب أن تكون بغايات محددة ومعينة، نذكر منها:

 فهمه واستيعابه وتطويره أصولا وفروعا، وليس  لنقده نقدا مسيبا، وهذا ما قام به بعض مفكري العرب، بحيث لو تأملت توجههم العام في الموضوع ، لاكتشفت أنهم:

  •   إما بغية دخول عالم الموضة “الحداثة” في بعدها الأوروبي.
  • أو ردة فعل على فعل الذي لا يقبل النقاش في التراث،  وغالبا ما تكون ردة الفعل متطرفة وخارجة عن القواعد العلمية المحترمة لخصوصية بيئتها.

قال طه عبد الرحمن للجابري  و هو ينتقد نقده الابستمولوجي للتراث العربي الإسلامي:

 “وجدت عندك ثغرات في المعلومات وثغرات في المنهج”،  فأرادوا “تجديد” التراث من خارجه أي باحتطاب آليات غير مبنية على / في  ثقافة وأعراف بيئتها، وهي تختلف تماما عن بيئة  التجديد عندنا، وذلك لاعتبارات أهمها: 

أولا ـ اختلاف طبيعة الدين:

 فالإسلام دين عملي يغطي جميع مناحي الحياة، الذي يوجب استحضار القرآن والسنة في أي عمل يقوم به المسلم، لأنهما الأصل الأصيل وأساس الهوية الإسلامية.

ثانيا ـ  الاختلاف الثقافي السياسي والجغرافي:

وهنا تجدر الإشارة إلى استحضار العداء الذي كان بين “الكنيسة” ورجال الأدب والفلسفة، وانتصار الفلاسفة والأدباء على رجال الكنيسة.  (فمجددو العرب الحداثيون) لا يفرقون من جهة الفعل  بين:

– الكنيسة باعتبارها مؤسسة، والدين باعتباره منظومة العبادات والأخلاق والتشريعات والقيم…

 – إن الدين ليس هو المؤسسة، وأصول الشريعة الإسلامية ثابتة، ومن العبث إدخال نصوص القرآن والسنة في مفهوم التراث.

 لكن للأسف هؤلاء ادخلوهما إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لأنهما في نظر بعضهم مجرد “نتاج التفاعل الاجتماعي”، أو فعل تاريخي كأي فعل يتطور ويتغير ويتجدد.

وهنا أغفلوا أو تغافلوا أن القرآن قسمان:

  1. ابتدائي: أي أنه نزل بغير سبب وهذا هو غالب القرآن.
  2. سببي: أي أنه نزل لسبب معين، إما لحادثة وقعت أو سؤال وجه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القسم لا يمثل إلا جزءا صغيرا للغاية. وقد قسمه ابن عاشور رحمه الله إلى خمسة أقسام في كتابه التحرير والتنوير.

وبهذا التغافل يخضعون القرآن والسنة الصحيحة للتحديث والتجديد من حيث الوجود والثبوت، والتحديث هنا له نتائج محددة، من أهمها:

إخضاع القرآن والسنة والتراث الإسلامي للمناهج الفلسفية الغربية، البنيوية منها والتاريخانية….

        ومن أبرز هؤلاء: محمد عابد الجابري وعبد الله العروي من المغرب، حسن حنفي من مصر،    محمد أركون من الجزائر، وغيرهم.

    فالمتأمل في أعمالهم الأصلية أو المترجمة يجد أنهم يتعاملون بمنطق واحد مع التراث الإسلامي من حيث النتائج، وإن اختلفت الوسائل والمناهج في بعدها الاعتباري.

و يصعب على الواحد أن يحدد موقف الجابري رحمه الله، من التراث  فمرة تجده يتصالح مع التراث وتارة يقاطعه، (التصور البياني، الظني النتائج ) و(التصور الفلسفي الذي يريد استصحابه) حيث يسير في  بنائه وأهدافه  ـ قد تكون غير مقصودة ـ إلى جعل الفعل العقلي الإسلامي غير أصيل في بعده البرهاني وأصيل في بعده البياني – الظني، وهذا توهم وخلط من جهة، والوقوف السطحي على الشكل البياني العربي الذي يضاهي البرهان اليوناني كما يقول طه عبد الرحمن.

    إن  الفعل الإسلامي فعل قادر على المسايرة والمعاصرة، إن نحن أعطيناه الحق في الفهم والتفعيل واحترمنا هويتنا وكينونتنا، إلا أن الأمر الذي وقع فيه هؤلاء، أنهم غفلوا أو تغافلوا أن للحداثة الأوربية تراثها، وبهذا يبدلون مكان تراثهم بتراث غيرهم، وهنا قمة التقليد المغلف بغلاف التحديث، كما أن هنالك عجز عن إيجادنا  آليات التجديد من داخل تراثنا.

شاركنا رأيك!