أنظمة الحكم بين قيم الجندية والثقافة العسكرية

د. جمال الهاشمي

أوصى الخليفة القرشي معاوية بن أبي سفيان ابنه يزيد  بقاعدة سياسية كانت بمثابة الفكر التنويري للمجتمعات الديمقراطية “لأن تعين كل يوم واليا على العراق خيرا من أن يرفع في وجهك مائة ألف سيف”. بهذه العبارة البسيطة الجامعة المانعة أسست الذهنية السياسية الأموية مفهوم الديمقراطية إجرائيا وتنفيذيا وإداريا، في الوقت التي كانت دول أوروبا حينها تسيطر عليها الاستبداديات الزمنية والدينية والثقافات العسكرية.

تجربته في العراق مكنته من تفعيل ما لديه من قدرات في علم النفس الفردي وعلم النفس المجتمعي والدبلوماسية الشعبية، فجمع بين ثقافة الجندية، والحكمة الطرقية، وهي طريقة منهجية جعلته يتفوق على عمرو بن العاص في الإدارة والحكم.

أن تعزل كل يوم واليا، هو في مقاييس السياسة الأموية أفضل من مائة ألف سيف غوغائي خلاق للفوضوية، مقلقا للأمن ومبدد للثروات البشرية والطبيعية، بهذه العقلانية السياسية وثقافة الجندية النبيلة تمكن من السيطرة على الثقافة العسكرية بوضع أسسا للثقافة العسكرية والرعاعية والرجراجية (الديمقراطية)  للسيطرة على المجتمعات الفوضوية وإعادة تنشئتها بما يتوافق مع الأمن العام والحكمة السياسية.

هي وصية حكم وحكمة، وخلاصة تجربة وإدارة، وهي نتيجة مؤيدة للفرضية العلمية التي قدمها من قبل كأحد مقاييس الحكم في مخاطبته لواليه وأخيه على العرق زياد بن أبيه ” ما كان لي ولك أن نسوس الناس بسياسة واحدة، وليكن أحدنا على اللين والآخر على الشدة حتى إذا خرج الناس من باب وجدوا بابا يدخلون إليه، ولقد نظر أمير المؤمنين إلى أحب السياستين إليه واتخذ الأولى له، وجعل الثانية لواليه”. هذا النموذج هو الذي اكتشفه المستشرقون وهم يبحثون عن معادن الفكر والعقل والنماذج المعمول به داخل الحضارة الإسلامية العربية الإنسانية والعالمية.

كانت للدولة الأموية معاييرها السياسية الواقعية والتي مكنتها في أقل من قرن أن تسيطر على أكبر جغرافية تاريخية فاقت إمبراطورية الإسكندر المقدوني الذي لم يكن له من الجغرافيا إلا أن أسقط قلب الإمبراطورية الفارسية فانفتح له الجغرافيا العضوية تباعا.

أدركت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية أن السياسة هي أساس الحكم، وأن كثيرا من الأنبياء كانوا ملوكا والكثير منهم كانوا قادة جند وحكاما ومصلحين، وقد أدركت من تراثنا الإسلامي وتراثها التاريخي أن مبادئ العدل والمساواة والأمن والتنمية جزء من السياسة؛ وأن هذه المفاهيم تبقى حبيسة النظريات أو التجريدات ما لم تتقارب مع الحياة والحاجة والنفسية الإنسانية.

 فقاربت بالأول القوانين وحولتها من صيغ تجريدية إلى صيغ حيوية وتنموية وجعلتها معيارا للتنظيمات المؤسسية ، وأسست من الثاني الديمقراطية وصيغها الانتخابية والتغيرية وجعلته معيارا حداثيا تمكنت به من السيطرة على الغوغائية الشعبية والفوضوية وهذبتها تهذيبا تربويا وتنظيميا يبدأ بأصغر الوحدات وأقلها وينتهي بأكبرها وأعظمها، وأسست من الثالث الشر وجعلته معيارا محددا للعلاقات الدولية، ووسيلة من وسائل التعبئة الشعبية والوحدة المحلية ومصدرا من مصادر الاقتصاد الحربي والسلمي وجميع الاقتصاديات التي تمركز العالم ضمن دائرة أحادية أو متعددة إذا خرج عن دائرة القدرة، وبمبدأ الأمن تتمركز الجندية في كل دولة حضارية، ومفهوم الجندية من المفاهيم التي تتهذب بها المؤسسات العسكرية،

فالعسكرة يعني التجمهر أو التجمع وقد تكون من الغوغائية أما الجندية فهي مهنة الفارس النبيل وبها تتهذب المؤسسات العسكرية وتحتكم إليها وهي المعيار الرئيس عبر التاريخ، فإذا تلاشت وتراجعت وسيطر عليها عساسة الناس وعسكرهم سقطت القيم النبيلة وبسقوطها تتحول إلى أنظمة غوغائية أو أوليجاركية.

 ومن الرابع الأبوة الرحمية، وهي السلطة السياسية في المجتمع القائمة على مبدأ تصحيح مسارات المجتمع وتنميته بقيم الحضارة النموذجية قيمة النموذج الاجتماعي المثالي للعالم كأحد مصادر العمق الثقافي الغازي للشعوب المتخلفة أخلاقيا وتنمويا وتنظيميا.

بهذه المفاهيم برزت المؤسسات الغربية والأمريكية وجعلتها من أهم محدداتها الاستراتيجية المحددة لمفهوم السياسة العامة والسياسات الدولية.

أما العالم الإسلامي ودوله الإسلامية فإنها تتسول هذه النماذج تحاول أن تتقمص المظهر، وتغرقها الأفكار والثقافات ثم تتحول إلى إعاقة نسفية وحضارية وإعاقة ذاتية، ومنذ قرن والدول العربية تستورد المظاهر الحضارية فهي تبني ناطحات السحاب بالعقلانية الحضارية الغربية أو الأسيوية، تتقدم بكل مظاهرها العقل الأسيوي – الغربي، وبنفس قيمه ومفاهيمه ونظامه وقوانينه، وتتحول إلى قطب مادي للعمالة العالمية، وليس قطبا ثقافيا ولا حضاريا..

هذه المظاهر الحضارية في العالم العربي هي أشبه بحضارة بيزنطة في نهاية عصرها عندما غزاها بدو الفرنجة والبلغار وقبائل الشمال الأوربي والصليبيون، عندما سقطت فروسيتها وسيطر عليها العسكر سقطت بحروب عبثية أهملت القيم الحضارية لآسيا الوسطى الذي ظهر فيها الحكماء السبعة، وكأن الرقم سبعة له قيمة حضارية، إذ أن هؤلاء السبعة الحكماء  الذين نشأت بهم حضارة اليونان وروما وبيزنطة، كان في المدينة المنورة الإسلامية القبلة الحضارية العالمية قد برزت بالفقهاء السبعة، والذين قامت بهم الحضارة الأموية والعباسية حتى اختلطت الحكم مع بعضها وغابت المعايير الضابطة فأدى الى تصادمها وصراعها إلى تعطيلها فأهمل بأحدهما العقل، وأهمل بالآخر النص، فانفصل العقل عن الواقع والنفس عن الحاجة، والمنهج عن النص فانتشرت الإمارات والسلطنات المتصارعة، ما أن تتصدر إمارة على غيرها حتى تعود للانضواء في أقل من قرن.

أن تكون كل شيء هو الهدف الحضاري الأول وأن تكون شيئا هو الإرادة التي تجدد القيم الحضارية وهو معيار عقلاني يتسم بالمرونة السياسية والصبر والحكمة. أما ألا تكون شيئا فيعني انفصالك عن القيم الحضارية ضمن دائرة الرحى العالمية يطحن بك أو تطحن بغيرك، وفق ما تمليه الإرادة العالمية أو تخطط له بطريقة نفسية غير مباشرة تدفعك إليها دفعا لا شعوريا ثم تحاسبك عليه وتأخذك به، وتقيدك بما يخدم قيمها وعقائدها واقتصادها حتى تتمكن من أضعاف شرعيتك المحلية وقيمك السياسية الدولية، ثم تقضي عليك بغوغائية الناس و حقراءهم من أبناء شعبك. المنقسم بين معارضة في الخارج، وغوغائية سماعون لهم في الداخل.

إنها الحقوق الصحفية، وحقوق الأقلية، والإعلام الدولي، والديمقراطية، والمدنية، الذي أصبحت رمزا من رموز الثورة وأحد معايير الحاكمية الغوغائية.

عندما تخندق الشاه الإيراني داخل القيم الفارسية وحاول تجفيف القيم الإسلامية التي كانت أكثر عمقا في النفسية الإيرانية، سقط عندما انتهت وظيفته الخادمة للمصالح الغربية والأمريكية تحديدا، وبنفس الطريقة سقط صدام حسين بعد أن اكتملت وظيفته في الحرب على إيران، ثم أكمل وظيفته الكبرى بغزو الكويت.

ساهمت معاركه الإيرانية من تفكيك البنية المحلية، لأن المعارك الخارجية إذا لم تكن مبنية على شرعية محلية ودولية عامة تتحول إلى أزمة محلية، وبالمثل خسر بدخوله الكويت القاعدة السياسية العربية، والحديقة الخلفية.

لم يكن الهدف من التخطيط الدولي إسقاط حكم الرئيس، وإنما الهدف منه إسقاط الجيش وتمكين العسكر، والغوغائيات الطائفية والمدنية، وقد ساهم في ذلك تمسك الرئيس بالحكم، وربط مصير العراق بمصيره، وبالمثل انتهى معمر القذافي، والرئيس علي صالح اليمني الذي ربط اليمن وأمن المنطقة العربية بوجوده، وساهم في تفكيك الجيش وتمكين العسكر والطائفيات والحزبيات والغوغائية، وبنفس الطريقة أسقط “بشار الأسد” الجيش للعسكريات والميلشيات والطائفية.

بينما تمكن الرئيس حسني مبارك من حفظ الجيش المصري، من التفكك وتنازل عن الحكم من أجل بقاء الدولة، وتعرض للمحاكمة، ثم البراءة، حتي تمكن الجيش المصري من إعادة الأمن، وتوطنت في مصر جاليات عربية من العراق واليمن وليبيا وسوريا، وانتقلت إليها رأس المال الاجتماعي، مما ساهم من استمرار بقاء الدولة حتى الآن.

إن سياسة النموذج الغربي في المنطقة لم يكن في التاريخ الإسلامي القديم ولا حتى في عصر المماليك، بل هي من محدثات العصر التي ساهم في وجودها غياب القيم الحضارية الإسلامية عن واقعها، وقد مهدت لوجود الاستعمار عندما كان العرب يراكمون ثرواتهم بتجارة الرقيق، ثم تحولوا إلى الحكم مع نشوء مفهوم الدولة، بنفس عقلية الشطار مع القراصنة الكبار.

، وما تزال المفاهيم الاستعمارية تتعمق في النفسية المجتمعية وتتجذر داخل القيم الفكرية والمنهجية والحضارية الإسلامية، وتصنع النموذج الغربي بقيمه ومعتقداته داخل الإسلام، فالأزمة لن تكون مع المسلمين وإنما هي مع قيم الإسلام، ومع مفاهيمه ولغته ومبادئه التي تتعارض مع العالمية.

لقد أسهمت الأيدولوجيات القومية في تفكيك القيم الحضارية الإسلامية وساهمت المعتقدات معها في تفكيكها، فإذا نظرنا إلى البعث العربي فقد كانت وليد المؤسس (ميشيل عفلق) المؤسس الذي خلق النموذج الآخر داخل الإسلام بالمفهوم القومي، وكذلك (ناصر) الذي أوجد الاشتراكية القومية داخل القيم الحضارية، وعندما بدأ الصعود الإسلامي نشأت المعتقدات التنظيمية فأخذ تيار الإخوان بأسلمة القومية الإسلامية التي نادى بها (جمال الدين الأفغاني) والشبه الكبير بينمها في أنهما يعتمدان التغيير بالسلطة وتغيير الثورة بالسلطة، كمعيارين أساسين للتغيير.

ثم نشأ فريق آخر ينادي بنموذج العلمانية التي نادى بها (عبد الرحمن الكواكبي) وهي الصياغة المدنية الرئيسية لتفكيك النظام، وسيطرة المدنية الغوغائية وهي نزعة مثالية أفلاطونية، وبينهما نشأ الإمام محمد عبده المصري بمفهوم العقلانية السفسطائية.

ورغم أهمية هذه النماذج إلا أن الدخول إليها مشوها وضعيفا ومتغيرا وليس ثابتا في مبادئه ولهذا فإن الإخفاقات والصراعات متلازمة جوهرية لطبيعة المكونات السابقة.

إن الثورات العربية التي قامت ضد أنظمة الحكم أخذت نفس الشعارات “الشعب يريد إسقاط النظام” واليوم لم يعد بمقدورها أن تنادي “الشعب يريد استعادة النظام”.

لقد أدرك العالم الغربي أن العقلية العربية واحدة وبنفس المستوى ولا يوجد للجماعات والمؤسسات التعليمية أي خصوصية مستقلة يمكن أن ترهق السياسة الغربية في التعامل مع غوغائية الثوار ولا غوغائية الأنظمة.

تمكنت الثورات من تصفية النماذج الوطنية الذين كان كانوا في سلطة الثورة وسلطة الحكم، وكانوا يتبنون رؤى وطنية وإصلاحية، وبرز تجار الحروب الدوليين، وتخندق الشعب الثائر للارتزاق، وانقسم بين المكونات الوطنية.

عندما خرج المناضل الجزائري “عباس مدني” بشعبيته للصراع مع الدولة كان يسعى لتدمير الجيش وليس لإصلاحه، لإضعاف القوة التي تحقق الأمن والاستقرار للشعب، لإثارة الفوضى والغوغائية، وبنفس الأساليب مارس مرتزقة الثوار قبله وسعوا لإضعاف المؤسسات الأمنية، لكنه فشل في النهاية واستعاد الجيش وجوده في النظام لأنه يحتكم لمعايير مؤسسية وليست كالمؤسسات الأمنية في العراق وليبيا وسوريا واليمن، والتي كانت عبارة عن وحدات عسكرية عرقية وجهوية وعقائدية شبيهة بالسلطنات والعرقيات والإمارات والطائفيات داخل الدولة العباسية المتآكلة.

أخيرا مما سبق يجب التمييز بين الجندية والعسكرة، عندما تراجعت الجندية الأموية في جزيرة إيبيريا (الأندلس) ظهرت معسكرات الطوائف، ونشأت بهم الثقافة العسكرية وهي ثقافة معارضة ومتنافية مع قيم الجندية، كان يصفها الفيلسوف الألماني البروتسنانتي “نيتشه” بالمهمشين المنبوذين، وكان هتلر وموسوليني يسعيان لإعادة إحياء الجندية النبيلة، انهزموا في المعركة وقتلوا فيها، وما لم يدركه العالم أنهم انتصروا بإعادة مفاهيم الجندية النبيلة، لقد طهروا بالفعل المؤسسات من ثقافة العسكر وتمكنوا من إعادة النظام والجيش وتمكين قيم وثقافة الجندية الرحيمة.

إن ثقافة العسكر ثقافة مدمرة للتنمية والمجتمع والشعوب والأمن فهي ثقافة فوضوية همجية خازوقية، وأن ثقافة الجندية هي الثقافة التنموية الأمنية التي ترتبط بالشعب والقانون والعدالة.

عندما خرج الشعب في الثورة كانوا يطالبون بإسقاط النظام، ثم حكم العسكر، كانوا يدركون أن الجيش قد اخترق بثقافة عسكرية كانت من ميراث الاستعمار ثم سعت للسيطرة على النظام، والمجتمع وبتدخلها في النظام والمجتمع سقطت الدولة.

إن الجندية تعني الأمن والنظام والقيم والحضارية، وأن العسكرة ميراث دخيل وثقافة غوغائية، فإذا نظرنا إلى العالم الغربي نجد المؤسسات العسكرية تدار بالنبالة، كما كانت تدار الدولة الأموية والعباسية في صدرها الأول.

في فلسفة أفلاطون قسم طبقات الحكم فجعل أعلاها طبقة الحكماء الساسة، وفي الرتبة الثانية طبقة الجندية، ثم يليها طبقة التجار، وفي الرابعة طبقة الحرف، وفي الأخير طبقة العبيد، وكانت مقاييسه ليست عرقية وإنما منهجية وعلمية، كان أول من وضع معايير الكفاءة واختيار الأكفاء ووضع المقاييس العلمية لنظام الدولة وما يزال هذا النموذج قائما في دول أوروبا واليابان والهند وكل الدول المتقدمة بما فيها أنظمة الحكم الشيوعي الصيني والروسي.

إن الصراع الذي نشأ في كل من الدول الفاشلة سببه سيطرة الثقافة العسكرية وغياب ثقافة الجندية، الثقافة العسكرية تعني استخدام الشعوب كوقود للحروب والطائفية والحزبية، مهما تغيرت المعتقدات والطائفيات والنظم والحزبيات.

وفقا للمقاييس العالمية فإن الجندية مصدرا من مصادر التنمية بل وهي الأساس الرئيس للتنمويات الحضارية والصناعية والزراعية، بينما الثقافة العسكرية البيروقراطية ليست أكثر من أداة فوضوية تمارس سياسية الاقتصاد الحربي وغالبا ما تكون من أدوات الشركات والبرجوازيات العالمية أو شركائها.

شاركنا رأيك!