أزمة الحضارة في الدول المعاصرة: أمريكا ومنطقة الشرق

د. جمال الهاشمي

تتشابه الدول في أسسها البنوية عندما ترتبط بقيمة عامة حضارية ضمن نسق الطاعة الوظيفية لمفهوم الدولة أو الطاعة الدينية لمفهوم القيمة، ودون ذلك تنحرف  الدولة عن صفتها المؤسسية كما تنحرف العقيدة عن أصوليتها التأسيسية، وعلى أساس ذلك تتنوع الدول بين تلك الصفتين على أحادية إختيارية.. إما أن تكون وظيفية فتقيم مؤسسات الدولة بقوة عسكرية تتناقض مع المفاهيم المدنية وهذا هو حال الدول العربية.

تسكن الوظيفة معمار الدولة وتوظف المعتقدات توظيفا سياسيا وهذا التوظيف العقائدي لا يتجاوز تأثيره البيئة المحلية للنظام السياسي؛ أي البيئة الاجتماعية، وعن هذا التوظيف ينشأ مفهوم عسكرة المجتمعات، والصواب فيها عسكرة المعتقدات اجتماعيا.

قد يكون مفهوم الطاعة من المفاهيم الذي يتناول في أكثر من مدخل من مداخل القيم التنظيمية المعاصرة، ونظرا لكون وظف توظيفا سياسيا وعسكريا فقد أدى إلى تعدد مداخله وأنماطه ومواضعه، فهو يعني العلاقة المتضمنة لمفهوم البيعة التي تتعدد أقطابها السياسية والدينية والتنظيمية والحزبية، وبنفس المعايير وبنفس النصوص تتنوع مفاهيم البيعة.

وهذا التنوع أو التناقض العقلي والواقعي والوظيفي للنصوص أحدث إرباكا للمتدين العامي والمتعصب الحزبي والسياسي والأيدلوجي، فهو ينغلق بقدر ما ينفتح وينفتح بنفس درجة الانغلاق، ويتناقض تناقضا نفسيا واجتماعيا.

ويتقارب بقدر ما يرى ذلك قريبا من قناعاته العقائدية ويتقي أو يتحدى بقدر ما يرى ذلك مخالفا لمعتقداته. والمعتقدات تتنوع الى معتقدات منغلقة كالكاثوليكية والأيدولوجيات الحزبية والطائفية وغيرها، ولا تختلف عن المعتقدات القبلية التي طغت فيها صفة العادة على الشريعة.

كان التساؤل داخل الإسلام والديانات النبوية حول موضوعات متكلفة من المخالفات التي تتراتب من الكراهة الى التحريم، وفي المقابل فإن سؤال الاستفهام من الأسئلة المندوبة والمفروضة ومنها الواجبة.

وعندما يختلط على السائل الفرق بين التساؤلات يحدث اختلالا ونفورا وعجزا، ومن هنا كان مساءلة الدولة عن أمور متعلقة بالقيم الحضارية وأمورا تتعلق بمصالحها من التساؤلات المشروعة فقط للنخبة وليس من حق العامة.

ولهذا كانت الديمقراطية قيمة نخبوية أكثر من كونها قيمة انتخابية، وأداة سياسية عندما تتخطى الحدود القومية إلى خارجها، وهنا يجب التفريق بين قيمتها الاجتماعية والقانونية، ومدلولاتها السياسية.

إن توظيف أمريكا للتدين الاجتماعي والقيم البروتستانتية بدأت بصورة جلية مع الرئيس دبليو بوش الأكبر، وكانت التوظيف مرتبط بمنطقة الشرق الأوسط أو جغرافية ميلاد المسيح أو جغرافية نهاية التاريخ ومعاد القيامة وقيام الألفية الثالثة.

كان كل رئيس يتعاقب مسرعا بصورة إيمانية تتناقض من حيث المنطق والنص مع القيم المسيحية إذا تكونت بصورتها العامة مفهوم الوظيفة السياسية للبروتستانتية وهو المعتقد الذي تناسب مع قومية الدولة.

على غرار الوظيفة التي مارسته الإنجيلية البريطانية عندما سيطرت على العالم، وعندما تحولت الى قيمة سيادية عنيفة مع مخاليفها كانت قد وصلت الى نهاية القيم الإنسانية غلبت عليها قومية الدولة والحضارة والجنس أو غلب المفهوم السياسي على المفهوم الديني انتقلت مركزية الحضارة من أوروبا الى الولايات المتحدة التي بدأت تتشكل بالمهاجرين المنبوذين أو المضطهدين.

وهنا يجب التفريق بين دور السياسة الإمبريالية الأوربية في اضطهاد واستغلال الهنود العمر، وبين المضطهدين الذين كانوا عمالا مضطهدين أيضا سافروا طواعية الى تلك البلاد خوفا من الاضطهاد الديني ومن بينهم كان اليهود.

ونشأت القيم الأخلاقية مع البروتستانتية المضطهدة ولأنها كانت الأكثر حضورا في تلك البلاد الموبوءة فقد عانت من قسوة الطبيعة وأمراضها ومن قسوة القهر الإمبريالي ومن الاضطهاد الديني ومن ثم قامت ثوراتهم التحررية لمواجهة الرأسمالية السياسية. وبعد الانتصار بدأوا بتأسيس الدولة.

كانت تجارة الرقيق من المشروعات الدينية، لهذا أسسوا مبادئ خاصة للتعايش بين الكنائس وكانت انتصاراتهم وتحررهم يعمق لديهم مفهوم التدين وتتأسس عليها القيم الحضارية. كانت البروتستانتية أكثر المعتقدات الأصولية تمسكا بالإنجيل الحرفي، وقد وصفت بالثورية والتحررية لأنها حطمت فكرة الجدران المغلقة للتصور الثالوثي المنغلق أو الخفي وراء شخصية البابا.

بالفعل تمكنت البروتستنتية من السيطرة على المجتمعات وتنامت هذه العقيدة التي حطمت فكرة الإله الوسيط وبدلا من الخوف تهمة الهرطقة التي ترصدها الكاثوليكية نشأت ثقافة التدين الفردي المتساوق مع المفاهيم الليبرالية. ووجد اليهود المتحولون من البروتستانتية مذهبا يهوديا جديدا أكثر موسوية وتوراتية وهو ما أعطى لهم منزلتين الأول منزلة التوراة والثانية منزلة العرق والثالث منزلة التحول.

ولأن البروتستانتية ذات منشأة ثورية أي أنها نشأت كقيمة سياسية من حيث الإجراء وقيمة دينية من حيث التحرر، وحينها حظيت بدعم السلطة السياسية لأنها ارتضت أن تكون جزء من الدولة، وابطلت فكرة السيادة الكاثوليكية على السلطة السياسية وأبطلت المساواة لها على أساس الفكر العلماني في الفصل بين السلطتين، وبفضل سياستها الثورية تمكنت من الاندماج كجزء من السلطة وبالفعل استطاعت أن تسيطر على السلطة باصطناع القادة الذين يتبنون قيمها الدينية.

وكان مفهوم الألفية وهدم الهيكل واجتماع يهود العالم في الجغرافية المسيحية- اليهودية المقدسة من أهم المفاهيم الدينية التي سيطرة على الفكر السياسي الأمريكي.

استمرت أمريكا منذ التأسيس تكسب ثقة العالم وفقا للقيم والقوانين العدلية وتمكنت من استقطاب المهاجرين لإحياء الأرض الجديد ومأسسة الدولة بالعدل وجعلته مدخلا للانتماء أو الجنسية لكل الأقليات الدينية الذين وظفتهم في بناء علاقات سياسية واقتصادية مع دولهم وتمكنت بهم من بناء علاقة مع دول العالم.

استطاع العدل والمساواة والعدالة الاجتماعية من مأسسة مفهوم الدولة العادلة، ومن ثم بدأت تتجسد العدالة في الأمة الأمريكية ثم في الدولة الأمريكية القطبية العالمية، ونظرا لأهمية التنظيم القانوني للمهاجرين أنشأت وزارة الاندماج والهجرة.

ويرجع فكرة هذه الوزارة إلى حضارتين معروفتين أولهما الحضارة الإسلامية وثانيهما الحضارة البرهمية التي اقتبست ذلك من الديانات السماوية وخصوصا الديانة الإسلامية.

بينما نشأت في بلدان العربي وزارة العمل لاستقطاب العمالة وتعمقت المفاهيم المادية وتحولت الإنسان العربي أو المهاجر الأسيوي والأفريقي إلى أداة مادية، ونظرا لأن الطبيعة المؤسسية ذات قيمة وظيفية أحدث ذلك اختلالا ثقافيا وتنوعا قيميا وعقائديا وأيدلوجيا.

ولم تستطع الأقليات الاندماج في مفهوم الدولة بسبب القيم التاريخية للقبيلة العربية، وهو ما أدى الى نسوء إثنيات وليس أقليات داخل الدول العربية، والإثنية من أهم المفاهيم التي تفكك الدولة، كونها تتسم بالاغتراب الجماعي داخل جماعة الأغلبية.

وعند المقارنة بين سياسة الهجرة الأمريكية والبريطانية سابقا وحتى الرومانية نجد أن بداية التأسيس كان يجمع كل معايير بناء الدولة الوظيفية، والقيم الدينية وبهما تشكلت الحضارة عبر عدة تحولات حضارية لها نفس النسق الوظيفي وقد أشار كبار المؤرخين إلى أن الأديان هي الأرض التي حافظت على الحضارات والدول.

ابن خلدون أكد على أهمية المفهوم الديني العدلي، وليس التدين الانفصامي، وقد اقتبس المفكر الإنجليزي “هوبز” وأعلن عن أهمية التدين الوظيفي للساسة كقيمة اجتماعية وعدلية يحافظ على بقاء النظام السياسي، وكضرورة حضارية لتماسك المجتمع وبناء القوى العسكرية.

وبعد موته عام 1588م وحياته التي قضاها بالخوف والصراع والحروب السياسية والدينية نشأ على فكرة العقد الاجتماعي بطبيعته الوظيفية للدين ولادة بريطانيا الكبرى عام 1707م من اتحاد كل من اسكتلندا وويلز وانجلترا.

خلق هذا الفكر السياسي مفهوم الدولة ومفهوم العقد الاجتماعي بين السلطة والشعب أي تشكل مفهوم الدولة العضوية التي حكمت العالم بعدد سكان لا يزيد عن 60 مليون نسمة.

ثم كان أفول الإمبراطورية البريطانية بعد بلوغها أعلى درجات المجد في التاريخ الحديث، وذلك لأنها تخلت عن الدور الوظيفي للتدين الإنساني وارتبطت بالتدين الألفي والتدين العرقي الذي نشأ لديها تحت مسمى القبلية الثانية عشر الضائعة من بني إسرائيل، وهي بذلك تخلت عن ساسة الإمبراطورية الرومانية التي من أهم دول التاريخ التي وظفت النصرانية في حروبها السياسية عبر التاريخ.

وأفلت الدولة البريطانية وعند أفولها أعادت توظيف الدين لحماية ما بقي من الدولة وبالفعل تمكنت من ذلك ونقلت كامل ومعارفها الى الوريث الأمريكي الوريث العقائدي. إذ لم تكن فرنسا أو ألمانيا على نفس النسق الديني وهذا ينم عن حكمة الدولة البريطانية ووعيها بالمفاهيم الحضارية.

أمريكا هي الدولة التي قامت على نفس النسق ولكن قيم الدولة الرومانية وبناء القواعد العسكرية في العالم هي التي اعطتها صفة “شرطي العالم” وهي مرتبة أقل من حيث الفاعلية من بريطانيا العظمى التي كانت تسيطر سيطرة مباشرة على الجغرافيا، واستطاعت أن تنقل الثقافة البريطانية الى تلك البلاد لكنها لم تستطع تغيير الهوية الدينية.

تمكنت الثقافة البريطانية من اضعاف التماسك الاجتماعي لدى الدول المستعمرة واستطاعت بهذه المعايير الثقافية من تنميط الشخصية المسلمة على التناقض بين الهوية والتاريخية أو الهوية والدينية.

كانت الثقافة هي الأكثر تأثيرا وهدما لقيم التدين السلوكية، وهي الثقافة بالفعل التي فصلت مؤسسات الدولة عن الوظيفة القيمية، وفصلت المجتمعات عن القيم الدينية السلوكية، وكانت الشعائر هي فقط التي يتمظهر فيها العالم الإسلامي بينما الممارسات والعلاقات والسلوكيات تتقمص الجانب الثقافي للمستعمر البريطاني أو الفرنسي وغيره.

لم يكن الصراع الثقافي الديني بارزا وإنما كان التناقض بين الشعائر الدينية والسلوك الديني بارزا، واستمرت الثقافة تتوطن قوميا وسياسيا ومحليا ونشأت قطبيات خصوصا في مصر ولبنان وتونس لتؤثر على بقية دول العالم الإسلامي. وكانت لبنان عاصمة الشام والعراق ومن أهم منتجعات الثقافة الفرنسية، بينما كانت مصر من أهم منتجعات الثقافة البريطانية، ولدول المغرب العربي مركزيته التي مكنت الثقافة الفرنسية من السيطرة وصناعة الشخصية العربية التي تفصل بين ممارسة الطقوس وممارسة القيم السلوكية في المعاملات والأخلاق.

انفصل المرسوم عن الممارسة وبدأت حركات دينية تظهر في شكل تنظيمات احيائية ساهم الفقر والفشل التنموي السياسي وغياب العدالة والمساواة من حضورها على الساحة، ولكنها ركزت على القيم السياسة أكثر من تركيزها على القيم الاجتماعية الأخلاقية. ومن ثم كانت البيئة التي تأسسوا عليها متناقضة وشعائرية وليست سلوكية.. كانت معاييرها متناقضة ومقاييسها متضاربه وشعاراتها الإصلاحية متناقضة. وبرامجها فاشلة ورغم وصول بعضها للسلطة إلا أنها ظلت متمسكة بالسلطة رغم فشلها في إحداث تغيرات فعلية سواء كانت مقيدة أو غير ذلك فإن استمرارها يفقد المشروع التي تبنته بريقه ونقائه.

يرجع ذلك إلى أنها تبنت برامج مثالية واستراتيجيات لا منطقية رغم كتاباتها عن الواقعية فقد جعلت من الواقع حاكما على قيمها وليس العكس، وجعلت من التكيف مع التنازل سياسة واستعجلت الفعل السياسي قبل الوعي به. وكانت قوتها في المعارضة أكثر تأثيرها من قوتها في السلطة.

لكن وفي المقابل فإن الذي يوظف الدين توظيفا سياسيا ضد القوى المحلية داخل الدولة فإنه يستدعي الفوضى الاجتماعية النائمة، ويعجل من ابتعاث العنف الكامن.

قد يكون للمال والرفاه الاقتصادي دورا كبيرا في تأخير الثورات والصراعات الاجتماعية، ولكن إذا صاحب توظيف الصراع بالمعتقدات ضعفا في التنمية والرفاه فإن ذلك من أهم مؤشرات دخول الدولة في أزمتين: أزمة التنمية، وأزمة العنف والصراعات الأهلية.. وبهذين العالمين تتغير النظم وتتفكك الدول.

في أمريكا التي تتميز باقتصاداتها الحربية وسيطرتها على قوانين التجارة والسوق والدبلوماسية الشعبية وسيطرتها على معلومات النظم السياسية تتميز بمؤسسات عدلية قانونية ورفاه اجتماعي محلي ولكن يهددها انتشار المخدرات وتنامي العرقية العنصرية، ويساعد في استمراها الاستثمار الأجنبي وانتقال رأس المال الاجتماعي إليها ومن ثم فإن انقطاع ذلك يكون بحدوث صراعات فوضوية عالمية الذي قد يغير من مستوى الرفاه.

ووفقا للمؤشرات الاجتماعية فإنها أمام محك الرفاه والعدالة في الأيام القادمة فإن فشلت في أحدهما سيكون سقوطها أفولا أما إن فشلت في كليهما سيكون سقوطها انهيارا، وهذه أسرع من الأولى، ولكن قبل التفكير بسقوطها كيف ستتغير الدول الإسلامية، وقد أشرت في كتابي ” الخليج العربي بين إشكاليات التحولات الحضارية وصناعة العمق الاستراتيجي” إلى أن مصير كل من باكستان والسعودية وتركيا وإيران ومصر سيكون رهين هذه التحولات الصراعية. إما افولا أو انهيارا مفاجئا ما لم يعاد النظر في فكر التحولات الاستراتيجية المستقبلية.

شاركنا رأيك!