أزمة التنمية وأزمة الدولة في الشرق الأوسط

د. جمال الهاشمي

تعاني البلاد العربية من طغيان ثروتين: الثروة الطبيعية والثروة البشرية، وعلى النقيض تعاني دول العالم المتقدم من انخفاض هاتين الثروتين.

وعند المقارنة بين النموذجين: نموذج تخلف الوفرة، ونموذج تقدم العزوة سنجد أن أزمة التضخم النفسي والفكري من جهة وأزمة الاستقواء والتقليد من جهة أخرى يبددان أو يبددون الثروة ويعوقان التنمية.

فالأنظمة العربية التي سقطت بالثورات العربية وكذلك النظم  الثورية التي وصلت إلى الحكم جميعا لم تكن قادرة على تغذية الشرعية الناعمة أو الصلبة لوجودها، إذ كان الوصول أو التمسك بالسلطة قائمة على ثقافتين: ثقافة المغالبة وهي من تراكمات الثقافة السياسية،  وثقافة المصارعة وهي ثقافة اجتماعية تاريخية (الصعلكة والحرفشة، والعيارة، والشطارة).

 فإذا اجتمع في السائس والمفكر هاتان الثقافتان تصبح أحدهما معوقة للأخرى وجميعهما من معوقات التنمية.

العالم الغربي تمكن من معالجة الثقافتين عبر تنظيمها وتقييدها ووضع قوانينها ومن خلال دراسات اجتماعية ونفسية مكنت المجتمع النخبوي من تحويل ثقافتي الغلبة والصرعة إلى لعب منظمة يسيطير عليها الرأسماليون، فهي ذات معالجات اجتماعية تربوية وأخلاقية بحسب ما يرونها متوافقة مع القيم العليا للنخبة، ومن جهة أخرى وسيلة من وسائل تراكم الثروة.

فالقاعدة الغربية تمتلك عقلية تشغيلية وتطويرية لقواعد تنموية تتماشى مع نفسيات المجتمعات العالمية عبر دراسات علمية استقرائية وأخرى تنموية، ومن خلالها توظف تلك الرغبات الجماهيرية والعالمية، وتضع القواعد المنظمة، ومن ثم تحولها إلى وسيلة تنمية.

 كانت هذه الألعاب من قبل ذات طابع محلي تسيطر عليها الطبقات العليا، ومع الانفتاح العالمي تحولت إلى قيمة رأسمالية وثقافة شعبية عالمية.

وتتعدد لعب المغالبة في الثقافة الغربية إلى كرة القدم، والسباق بالدراجات والخيول.. وغير ذلك من الألعاب التي تتماشى مع هذه النفسية، ومن ألعاب الصرعة، الألعاب القتالية بانواعها والتسلق، والمغامرات وغيرها من الألعاب الأخرى التي تؤدي الى أحد الصرعات. ومن خلال ذلك تطورت تنمويات الترفيه بما يتناسب مع النفسيات الاجتماعية كشريحة اقتصادية مستهلكة وهدف من أهداف الثروة للطبقة الرأسمالية.

ثم ارتبطت هاتين الثقافتين في عالم الأوسط مع تنامي الحداثة بثقافتين: ثقافة الاستقواء، وثقافة الاستعلاء، وتمكنت المجتمعات المعارضة من التأرجح بين ثقافة الصرعة، وثقافة الاستعواء.

ومن أهم معطلات التنمية العربية على المستوى السياسي والاجتماعي نشير الى بعضها:

  1. ثقافة الاستقواء: وهي أزمة ذاتية في النظم السياسية تعاني منها الدول التي تفتقر للمشروعية الاجتماعية الطوعية والتنموية، والشرعية القيمية  الأخلاقية، إذ أن قواعد الشرعية والمشروعية تؤسس لقوة الإكراه العادلة وتمنحها القدرة على فرض قوة العدالة، فإذا انفصلت العدالة عن القوة تحولت الى ثقافة الاستقواء ونعني بها الاعتماد على قوة الصلبة المحلية بالولاءات وتبديد الثروات الطبيعية من جهة، والاستقواء بالقوى الدولية والإقليمية لفرض قوة الإكراه الظالمة.

ويعاني المتفلسف بثقافة الاستقواء من اضطرابات نفسية وفقدان الثقة ، فهو يرى عدم شرعيته في مكانته أومنصبه من جهة فيحاول فرضها بالقوة، ويرى عدم مشروعيته الاجتماعية فيسعى لتحقيقها من خلال:

  • الحديث عن المشاريع التنموية المستقبلية، وتكون مشاريع تجريدية أو تخيلية أو غير مدروسة دراسة علمية متحققة.

إذ أن  المشاريع اقتصادية تفلسف المنجزات المتخيلة، فتعطيه شرعية مؤقتة بتلك الفترات المحددة، وفي الوقت المحدد تفقد جاذبيتها.

  • خلق جماعات فوضوية تهدد أمن المجتمعات من الزعار والعيار واللصوص والطائفيات الإرهابية وعسكرة المجتمعات والقبليات على بعضها، وتوسيع فجوة الصراعات والعمل على ديمومتها واستمرارها.
  • ممارسة العنف العسكري المتسترة والأقضية المقننة.
  • ثقافة الاستعلاء: والاستعلاء ليس هو العلو لأن العلو ذو قيمة ذاتية أما الاستعلاء فتاتي عبر آلية ووسائل غير شرعية، ومن ثم فإن الاستعلاء المعوق للتنمية يكون من خلال:
  • السيطرة على الثروة الوطنية، والشعور بملكية الوطن وحريته في التصرف بثرواته، إذا تستخدم لشراء المرتزقة والولاءات وتجنيدها لحماية فكرة الأحادية أو فكرة الطبقة الارستقراطية، وتجند جميعها لمصلحة النخبة المسيطرة، وتكون الجغرافيا والثروة وسيلة من وسائل الثروة لهذه النخبة التي تتقاسم النفوذ ليس على مستوى احتكار الثروات العامة، وإنما على مستوى السيطرة على المشاريع الاقتصادية والتجارية، ونظريا لسيطرتها واعتمادها على ثقافة الاستهلاك والاستيراد فقد ساهمت في تدمير العقلية التنموية.
  • السيطرة على الإعلام: لم يكن الإعلام جزءا من النظام السياسي باستثناء الإعلام الحربي، إذا كان الإعلام من قبل ذات طبيعة اجتماعية، ومع بروز اقوى الاجتماعية المعارضة للسلطة بدأت مرحلة جديدة من تحولات الصراع في العالم العربي بينما كان الاعلام الاجتماعي في دول أوروبا هو المراقب للسلطة وفقا لقواعدة اللعبة السياسية.

أما العالم العربي فقد تحول الإعلام إلى أداة من أدوات التعبئة القتالية والعسكرية، والفلسفات الجدلية. وبدلا من ثقافة التنمية المتعاطية بين السلطتين الاجتماعية والسياسية وتنظيمها وفقا لمبادئ العدالة الاجتماعية تحولت الثقافة الاجتماعية من الضغط إلى النفوذ، والسلطة السياسية من الخدمة الى الاستبداد وبين هذين النقيضين تعطلت التنمية.

  • ثقافة الاستعواء: وهي ثقافة جديدة من الثقافات الاجتماعية الصلبة، إذ أسهمت ثقافتي الاستعلاء والاستقواء والصرعة والغلبة من تشكيل هذه الثقافة، من خلال هذه الثقافة انفتح المجتمع على العالمية ونشأت معه عالمية الدفاع عن الحقوق المدنية والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، وساهمت هذه الثقافة من تعطيل الدولة في كثير من بلدان العربي وتهدد الكثير منها.

استطاعت ثقافة الاستعواء الاجتماعية من منافسة ثقافة الاستقواء إذا الثقافتان يستقويان بالخارج إلا أن الفرق بينهما أن ثقافة الاستقواء تحتكر القوة الصلبة العسكرية وقوة المال والقرار، أما الثانية فإنها تمتلك المظلومية من جهة والفكر الغربي القائم على مأسسة الحرية والحقوق وحق المصير.

ولا شك أن ثقافة الاستعواء أكثر تهديدا لثقافة الاستقواء التقليدية خلال الفترات القادمة وذلك لعدة أسباب أهمها:

  • تعاطيها مع القيم العالمية وانفتاحها على النماذج الغربية.
  • الارتباط بقوى إقليمية وعالمية.
  • تحيزاتها الجهوية أو الحزبية في جغرافيات مغلقة داعية للانفصال أو التحرر من النظام.
  • تنمية القوة الصلبة وقدرتها على استخدامها ضمن تنظيمات عسكرية صاعدة.
  • تبنيها القيم  التي تتناسب مع النفسيات الجماهيرية.

وتشكل هذه الثقافة الاستعوائية خارطة جديدة للدولة على المستوى المنظور، وقد تمكنت في من تدمير المؤسسات العسكرية في دول الربيع التي دخلت في حروب عسكرية وأدت الى تقاسم النفوذ داخل الدولة مع استمرار غياب الدولة الموحدة، وهو ما يعني تعميق جديد لمنظور الدولة من منظورات عقائدية وطائفية وجهوية ضيقة وصراعية.

وسيكون هذا النموذج المتنمنم أحد المسارات القادمة للدول القائمة أو التي تحاول البقاء عبر سياسات استقوائية خارجية.

وهذه الأزمة كفيلة بتدمير بقاء الدولة لأن قوة الذات ممحوقة، وسياسة إدارة الذات معدومة، وسيبقى حق المصير والحقوق الفردية وحرية الفكر والمعتقدات بصفته السياسية والعسكرية من أهم وسائل وأدوات إدارة الدول القادمة في منطقة الشرق الأوسط.

ومن النماذج الذي ستؤدي ستتبع النموذج السوداني خلال المرحلة القادمة من مراحل التفكيك الجهوي: اليمن، العراق، سوريا، لبنان، ليبيا والمغرب.

فهذه النماذج الأولى هي وسيلة من وسائل اضعاف القوى الإقليمية الكبرى المتصارعة التي ستكون كماشة الصراع القادرة على تفكيك القوى الإقليمية، إما بحروب إقليمية أو بحروب طائفية ومحلية، وحروب تنموية. ومن ثم ستتشكل استراتيجية المنظور التي ستكون من حظوظ : إيران، تركيا، الجزائر باكستان، مصر، السعودية.

عند التمييز بين العقلية الرأسمالية والعقلية التنموية سنجد أن العقلية الأولى أكثر انتشارا ثقافيا وليس عقلانيا، أما فوائدها فتذهب الى طبقة محددة تمتلك أدوات فلسفة اقتصاد وتقنينه بحسب النظرية الماركسية، بينما العقلية التنموية متمركزة أيضا في الجهات الحضارية بينما ثقافتها ضعيفة عالميا أما فوائدها فتذهب للمصلحة العامة.

وعند النظر الى العالم العربي نجد أن نظمنا الاقتصادية تفتقر لاستراتيجية التنمية التي تقوم على إدارة التخطيط والمتابعة والتطوير، بينما قد تكون ذات توجهات فردية.

 ومن أهم أسباب تعطيل التنمية في البلدان العربية انتشار الثقافة الرأسمالية السلبية على صعيد الفكر والتنمية والأخلاق والوطنية.

وحديثنا عن العقلية الرأسمالية لا يعني حديثنا عن الثقافة الرأسمالية لأن الأولى مركزية وإنتاج وسيطرة وتحكم واستغلال وإمبريالية، بينما الثقافة تبعية واستهلاك وتمظهر وانجرار.

فالثياب التي نلبسها يصنعها العقل الرأسمالي ويستهلكها المثقف الرأسمالي، كذلك السيارات والطائرات والأسلحة فهي ذات عقلية تقدمية رأسمالية، ونسميها عند الآخر ثقافة استهلاكية فوضوية.

والفوضوية الإستهلالية يعني استنزاف الثروات الطبيعية، بما يؤدي إلى تعطيل التنمية، وإضعاف الأمن وخلق الصراعات والأزمات الفكرية والعقائدية والأخلاقية من داخلها وخارجها، لأن الدول التي تقرر الحرب بالاستقواء دون قدرات محلية وتغذية ذاتية تعمق الفجوة بينها وبين جماهيرها ومحيطاتها الدولية والإقليمية.

وتوجد خارطة علمية موثقة بمصادرها العلمية في كتابي: المحددات السياسية واستراتيجية العلاقات الدولية، وكتاب الخليج العربي بين إشكاليات التحولات الحضارية والعمق الاستراتيجي.

وفيه تفصيل منهجي للإشكاليات الأمنية التي تهدد الجغرافيا والفكر والتنمية في منطقة الشرق الأوسط عبر ثلاث دوائر متنوعة المجالات وبحسب مستوياتها المحلية، والإقليمية والدولية.

شاركنا رأيك!